حققت انتفاضة عائلات ضحايا تفجير المرفأ هدفاً أساسياً، ورغم أنه أولي فهو بالغ الأهمية، ألا وهو إرغام السلطة على تسريع تعيين محقق عدلي جديد هو الرئيس طارق البيطار. زخم التحرك عطل حتى الآن المخطط المرسوم الهادف إلى دفن التحقيق، وهو مخطط “منظومة النيترات” وحزبها القائد.. واليوم مساء في الخامسة و25 دقيقة ستكون بيروت وكل لبنان وكل لبناني حيثما وجد، في وقفة تحية للضحايا ولكل المتضررين ، وقفة دعم للأهالي من أجل منع تضييع الحقيقة ومن أجل تحقيق العدالة، عبر قرع أجراس الكنائس وارتفاع آذان المساجد وإضاءة الشموع على شرفات المنازل. من أجل العدالة للبنان، قال أهالي الضحايا:”إدعمونا ولو بشمعة إكراماً للشهداء”!
ما حدث مع القاضي فادي صوان خطير وغير مقبول، يؤكد ذلك الشعور الذي عبر عنه الأهالي ألا وهو أن صوان عوقب لأنه تجرأ على التوجه إلى رأس الفساد أصحاب القرار السياسي، إلى “منظومة النيترات”. أخذوا عليه أنه هزته الجريمة كأي مواطن لبناني طبيعي، وربما أبكته مثله مثل الملايين، الذين هالهم المشهد الذي سكن ذاكرة الناس، من القتل الذي اقتحم البيوت وضياع الأرواح ببساطة، إلى تحطيم الأحلام تحت ركام البيوت..فعقد العزم، وهو في موقع المسؤول الأساسي، على إحقاق العدالة، وأنه لن يوقفه لا مقامات ولا حصانات، وهي ما وجدت إلاّ لإفلات المتسلطين من العقاب. أخذوا عليه أنه تصرف منطلقاً من أن لا أولوية تفوق حرمة الدم، وبدون العدالة والحساب لن تكون بيوتنا آمنة بعد اليوم!
القاضي الذي لا تعرف له صور فهو البعيد عن التباهي، ما عثرنا إلاّ على صورة يتيمة له، اجتهد في القانون وأصاب، عندما أكد أن المشتبه بهم لا تنطبق عليهم الحصانات، لأن لا علاقة لها بعملهم النيابي والنقابي. كان كرجل القانون الضليع والمجرب، يؤسس لجواز ملاحقة المرتكب أمام القضاء العادي، كما في كل المعمورة فانقض عليه الكواسر، لأنه أيضاً ذهب إلى الأصل بتسطير الاستنابات لجلب الثلاثة المشتبه بأنهم أصحاب شحنة الموت، ويتردد أنهم يتولون جانباً من تذخير النظام السوري لقتل شعبه، فقرروا تشديد الخناق وإخراجه، حتى أن أمين عام حزب الله أعلن في خطابه الأخير أن التحقيق انتهى!
في أكبر الجرائم الإرهابية في التاريخ، أرادوا من لحظة رفضهم الاستعانة بالتحقيق الدولي، ختم القضية على زغل، والثابت أن السلطات السياسية لم توفر الحد الأدنى من الدعم بل أرادوا ترك التحقيق معزولاً، حتى أن الجهات الدولية لم تتعاون، وطلب صور الأقمار الصناعية لم يتم التجاوب معه، وبدت الأجوبة أن أقمارهم كانت ترتدي خماراً لحظة التفجير الهيولي فلم تسجل عدساتها الواقعة! وبعد إبعاده استمر التابعون على مستويات مختلفة، وباتوا كلهم في القانون مرجع وفي القضاء أصحاب حجة، يعملون على تشويه ما قام به الرئيس فادي صوان، لكن الكبير لن يلتفت إلى المواقف المبرمجة، وقد ردّ على الحملة النقيب السابق لمحامي الشمال فادي غنطوس بقوله: ” انتصارك بالصمت خير من إنحدارك بالرد..”!
التذكير ببعض ما كان ضرورياً، كما التوقف عند الكثير مما يشاع من أن حبكة أمنية استخدمت لتطويق صوان وإبعاده، وأن شيء ما جرى حتى قبل القاضي بيطار ما كان قد رفضه سابقا.. لن نطيل فالأيام القليلة ستكشف الكثير ولكن لا شك وأنه أمام الرئيس البيطار، الذي بتجربته الغنية ومساره يعرف الكثير، وخصوصاً عن فساد وإجرام “منظومة النيترات”، الذين يصرون على تطبيق القانون، قانونهم هم، على الضعيف، لأنهم يتحصنون بقانون القوة! لذلك قاضي التحقيق العدلي مطالب بأن يتجرأ ليكون مختلفاً عما يريدون، لأنه كما يقول أيضاً النقيب غنطوس: “عندمت يستقيم القضاء ترتاح الناس.. وعندما يُسيس القضاء تنفجر الناس”! والضغوط ستكون من كل حدبٍ وصوب لكن أهل الدم وكل المتضررين وأكثرية اللبنانيين، الذين غيّر تفجير بيروت في الرابع من آب من مسارات حياتهم، كلهم بالمرصاد ودماء الضحايا رسمت الخط الفاصل: لن نقبل أن تقتلونا مرتين! فإذا خذل القضاء المظلوم فإن ذلك يهدد بدفع الكثيرين لأخذ حقهم بأيديهم، فيما كل العيون التي أحرقت الدواليب وقطعت الطرق حول وزارة العدل كانت تقول: لا تجعلوا منا قتلة! لا تستسلموا لمقولة بائدة إنه ما في شعب وما في ثورة!
وبعد، يواصل الدولار ارتفاعه ومعه ترتفع الأسعار والفقر والمجاعة وتتسع المذلة، وما من هم لهم إلاّ السعي إلى تناتش الحصص والمقاعد التي يوزعها الحزب القائد المرتاح إلى صراعاتهم. الكل متحد ضد المطالب البسيطة للناس المدعويين للموت ع السكيت! لكل هؤلاء هناك حقيقة لا رجوع عنها: لقد حطمت ثورة تشرين في أيام كل المواقع التي أسبغتم عليها قدسية(..) والأهم ما يتواصل في طول البلاد وعرضها من تحطيم للقيود التي بذلتم الكثير لكي تغل العقول!
هنا لا بد من فتح مزدوجين بعيداً عما سيقوله باسيل اليوم، وهو لن يقدم ما يفيد الهم العام، فقد نشرت أخبار مفادها أن عسكريين يطلبون أُذونات ويتركون السلك ومنهم من هاجر طلباً لوضع معيشي أفضل! وقال وئام وهاب أنه بحث الأمر مع رئيس الجمهورية وأنه يجب تأمين دفعات للعسكريين(..) لا شك أن الحاجة عند العسكري هي كما الحاجة عند أي مواطن، وما يثير الريبة ما أوحي أنه قد يكون من مصدر ما فإلى أين يأخذون البلد؟ يتصارعون وكل شيء ينهار فيما الحل حكومة توحي بالثقة وتبلور ما لدى البلد من إمكانات، وتوقف النهب وتولي أولوية للإحتياجات الحقيقية لكل مواطن أكان عسكرياً أم موظفاً أم متقاعداً أم مصروفاً من الخدمة! الوضع خطير ومقلق جداً.
وبعد، الضرر الفادح أصاب كل اللبنانيين من المنهبة وكل الانهيارات إلى التفجير وإلى ترك الناس يفتك بهم الوباء، ولن يبلسم الجراح إلاّ قلب منظومة الإثم وسوقهم واحداً واحداً إلى العدالة، وهذه مهمة اللبنانيين الذين أثبتوا بعد تشرين، كما بعد جريمة تفجير المرفأ وبيروت، كم هو أصيل وكبير مخزون الخير لدى مواطنينا.