يومًا بعد يوم، تتصاعد وتيرة المطالب من قبل الطبقة السياسية والمجتمعية، بنزع سلاح حزب الله اللبناني، الذي أصبح يُتعب كاهل المواطن والدولة معًا، خصوصًا بعد الأحداث التي شهدتها الساحة اللبنانية مؤخرًا، من تفجير مرفأ بيروت، الذي أدى إلى تدمير جزءٍ من المدينة، والملفت رغم ضخامة الحدث الزلل، ومدى تأثيره على الإقتصادي اللبناني، الذي يُعاني أصلًا من حصارٍ غير معلن، سببه سياسيات حزب الله الخارجية المعادية لدول الخليج، والتصريحات التي كان يطلقها من يسبح في فلك الحزب وعلى رأسه التيار الوطني الحر، إلا أن القضاء لم يتحرك إطلاقًا من أجل التحقيق في تلك الجريمة المروعة.
ثم تبعها سلسلةٍ من الإغتيالات، التي طالت بعض الشخصيات ،كان آخرها المعارض لقمان سليم، وكل تلك الإغتيالات تمت بإستخدام سلاح كاتم للصوت، ومثل تلك الأسلحة أو التقنية، لا يمتلكها إلا أجهزةٍ وجهاتٍ أمنية، ناهيك عن الدعم اللوجستي لتنفيذ العمليات. 14 شباط 2005، الذكرى السادسة عشر لإغتيال الرئيس رفيق الحريري، حين شكلت تلك الحادثة مفصلاً سياسًا في الحياة السياسية في لبنان، ومنذ تلك اللحظة بدأت سلسلةً من الإغتيالات الجسدية والنفسية للكثير من الشخصيات المعارضة لسياسية حزب الله، إرتفعت الأصوات المنددة، متهمةً الحزب بتنفيذ كل تلك العمليات، بسبب تمتعه بقدراتٍ عسكرية تفوق قدرات الدولة اللبنانية وأجهزته الأمنية، وإمتلاكه أجهزة أمنية قادرة على ملاحقة وكشف كل الجرائم، وسطوته السياسية التي إستخدمها للضغط على القضاء، كي يشل عمله، ولكن كيف تتم عملية نزع السلاح لهذا الحزب؟
منذ نشأته، لم يشارك حزب الله في الحكومات اللبنانية حتى سنة 2005، في هذه الفترة، كان الحزب خارج التجاذبات السياسية والصفقات التجارية والهدر المالي خصوصًا في عهد النظام السوري، الذي كان له اليد الطولى في المعادلة اللبنانية، خصوصًا بعد السماح له الدخول إلى لبنان من قبل الولايات المتحدة الأميركية، مقابل دعمه في حرب الخليج “عاصفة الصحراء”، ولكن بعد إغتيال الرئيس الحريري، تغير المشهد السياسي وخصوصًا بعد إنسحاب الجيش السوري من لبنان، حينها قرر الحزب، الدخول إلى الحكومات وإبتداع فكرة الديمقراطية التوافقية، التي عطلت العمل السياسي في لبنان، والحكومات لسنواتٍ عدة، إما من حيث تشكيلها أو من حيث عملها.
كما هو معروف، إن حزب الله إستطاع ان يتحول من حالة تنظيمية إلى حالة مجتمعية، حيث تغلغل في صفوف جماهيره، وأنتج خطابًا سياسيًا وطائفيًا موحدًا وجامعًا بين مجتمعه، الذي كان يعاني من الفقر والحرمان والإهمال من قبل الدولة اللبناني، وهذا السبب الذي أدى إلى إلتفاف الناس حوله، فلقد إستطاع حزب الله أن يكوّن شبكاتٍ مالية منتشرة في كل بقاع الأرض، كما هو معروف، فإن ميزانية الحزب تأتي من فيلق القدس، الذي يتم دعمه من خارج الموازنة الإيرانية الشرعية، ولكن وكما ذكرت سابقًا، إن ميزة حزب الله انه مأسس مشروعه، وتحول إلى كيانٍ متعدد المهام، وقام بإنشاء دولته الخاصة، التي لها نظامها الخاص، فقام بإنشاء المدارس التي لها مناهج تربوية خاصة، أنتجت أجيالاً تحمل نهجه وعقيدته السياسية والفكرية والعقدية، فتشرب جيلاً كاملاً من الأفكار الحاكمية، التي تكلم عنها الخميني في كتبه، ثم سيطر على الجامعة اللبنانية المعترف بها دوليًا، ودخل طلابه في كل الجامعات وشكلوا كتلةً صلبة ًفي وجه الأحزاب.
أما على الصعيد الإقتصادي، إن الدعم المالي للحزب هو أساس شريان بقاء هذا الكيان فائق التنظيم، لقد أقام شركاتٍ وهميةٍ وحقيقيةٍ في لبنان، وأصبح رقمًا صعبًا في التبادل التجاري، سيطر على المعابر الحدودية مع سوريا، حيث يتم تهريب كل شيء من وإلى سوريا وصولاً طهران مرورًا بالعراق، وسيطر على مرفأ بيروت الذي يعتبر شريان الحياة بالنسبة للدولة اللبنانية، فلقد تم تهريب كل البضائع التابعة لحزب الله، هذا أدى إلى خسارة الدولة اللبناني المليارت بسبب التهرب الجمركي، وبسبب عملية التهريب، إستطاع تجار الحزب ان يتوغلوا في السوق اللبناني كمنافسٍ للشركات، لأن تلك البضاعة لا تخضع للرسوم الجمركية ولا للقيمة المضافة. فلقد تاجر بكل شيء، تجارة الهواتف والستالايت و غيرها من تجاراتٍ التي أصبحت ضمن إمبراطورية حزب الله، ، ذلك الفراغ الذي أحدثته الدولة اللبنانية، إستطاع الحزب أن يملأه، وأصبح الولاء له مطلقًا، لأنه إنتقل في نظر جمهوره، من حزبٍ إلى الدولة البديلة.
لم يقتصر نشاط حزب الله الإقتصادي ضمن حدود الجغرافيا اللبنانية، فبسبب إنفلاشه الأمني خصوصًا بعد الثورات العربية، إستطاع أن يكوّن له شبكاتٍ مالية خارجية، فلقد عرضت الولايات المتحدة مكافآت مالية تصل إلى 10 ملايين دولار، لكل من يقدم معلومات عن أعضاء الشبكة المالية لحركة حزب الله اللبنانية محمد قصير، ومحمد قاسم البزال، وعلي قصير.
وأعلن برنامج المكافآت من أجل العدالة، التابع لجهاز الأمن الدبلوماسي في الخارجية الأميركية عن مكآفاتٍ سخية، لأي معلومات، قد تؤدي إلى تعطيل الآلية المالية لحزب الله، الذي تعتبره واشنطن منظمة إرهابية عالمية.
ووفقاً لبيان صادر عن الخارجية الأميركية، تبحث واشنطن عن أي معلومات تتعلق بأنشطة أو شبكات الدعم المالي للحزب، بما في ذلك الخبراء الماليون والوسطاء، كالأعضاء الثلاثة الذين ذكرتهم الخارجية
ثم يأتي دور مكاتب الصرافة، حيث تشير تصنيفات وزارة الخزانة الأميركية إلى تبادل العملات الذي يتم بتلك المكاتب، ثم البنوك اللبنانية التي تعتبر محطة رئيسية أيضًا، فلقد تحدثت تقارير عن علاقة وطيدة بين حزب الله بعدد من البنوك، كما يُعتبر حزب الله مسؤولاً رئيسيًا عن الإنهيار المالي في لبنان جراء هذا التعاون المشبوه.
نزع سلاح الحزب لن ينهي حالته التنظيمية والإستخباريتة، وأخر مرحلة هي نزع سلاحه، فلقد تحول حزب الله إلى أخطبوط، يمتلك الكثير من الأدوات التي تبقي حالته المجتمعية قادرة على الصمود في وجه التحديات الجمة، إن عملية مواجهة حزب الله تبدأ بضرب شبكاته المالية التي تغذي نشاطه السياسي والعسكري، وضرب قيمه الفكرية والجهادية ضمن مجتمعه وأهله، ضرب مؤسساته التربوية، التي تنتج أجيالاً تنتمي إلى الحرس الثوري، يتنهي حزب الله عندما تكون الدولة قادرة على أخذ مكانه في تقديماته الإجتماعية والتعليمية والوظيفية. السلاح ليس إلا ذراع من أذرعه الأخطبوطية.