1. Home
  2. زوايا
  3. الصوم الذي بدأناها .. معانيه علينا
الصوم الذي بدأناها .. معانيه علينا

الصوم الذي بدأناها .. معانيه علينا

57
0

المطران كرلس بسترس – ثَمَّة نوعان من #الصوم: الصوم عن الطعام والشراب، والصوم عن الأهواء والشهوات. فالصوم الأوّل لا معنى له إلاّ كوسيلة للتوصّل إلى الصوم الثاني. فالله روح، ولا يهمّه ما يأكل أو يشرب جسدُنا بقدر ما تهمّه نقاوة نفسنا وتنزّه روحنا عن كلّ ما يشوّه صورتها المخلوقة على صورة الله. يقول بولس الرسول: “كلّ شيء مُباحٌ لي، ولكن، ليس كلّ شيء ينفع. كلّ شيء مُباحٌ لي، ولكن، ليس كلّ شيء يبني. إنّ الأطعمةَ للجوف، والجوفَ للأطعمة، وسيُبيد الله هذه وذاك. أمّا الجسد فليس للفجور؛ إنّه للربّ، كما أنّ الربّ للجسد. والله، الذي أقام الربّ، سيُقيمنا نحن أيضًا بقدرته” (1 كورنثس 12:6-14). ويقول في رسالته إلى الرومانيّين: “إنّ ملكوتَ الله ليس أكلاً ولا شُربًا، بل هو بِرٌّ وسلامٌ وفرحٌ في الروح القدس” (رومة 17:14).

كان اليهود يقسمون الأطعمة بين طاهرة ونجسة. فإذا بالسيّد المسيح يُعلِن أن لا وجود لأطعمة نجسة. فيقول: “إنّ ما يدخل الإنسان من خارج الإنسان لا يقدر أن ينجّسه لأنّه لا يدخل في قلبه بل في جوفه ثمّ يذهب إلى الخلاء”. ثمّ يُضيف: “إنّ ما يخرج من الإنسان هو الذي يُنجّس الإنسان. لأنّه من الباطن، من قلوب الناس، تنبعث النيّات الشرّيرة: الفِسْق والسرقة والقتل، الزنى والطمع والخبث، المَكْر والفجور والحسد، الاغتياب والكبرياء والسَّفَه. كلّ هذه القبائح من باطن الإنسان تخرج وهي تُنجّسه”. ويُضيف الإنجيل: “بهذا الكلام أعلن أنّ جميع الأطعمة طاهرة”. (مرقس 18:7-23).

الأطعمة هي في حدّ ذاتها صالحة، لأنّ الله خلقها لفائدة الإنسان. ولا تكون سيّئة إلاّ إذا أساء الإنسان استعمالها من خلال تناولها بغير اعتدال، فيسقط حينئذ في خطيئة الشراهة، أو في خطيئة السُّكر إذا أكثر من تناول المشروبات الكحوليّة. لذلك يحذّر بولس الرسول من السُّكْر بقوله: “لا تسكروا من الخمر: فإنّ فيها الدعارة” (أفسس 18:5). ويضع السُّكْر في صفّ الخطايا الكبرى التي تمنع الإنسان من دخول ملكوت الله، فيقول: “أفلا تعلمون أنّ الظالمين لا يرثون ملكوتَ الله؟ فلا تَغْتَرّوا! فإنّه لا العاهرون، ولا عبدة الأوثان، ولا الزناة، ولا المتخنِّثون، ولا مُضاجعو الذكور، ولا السّارقون، ولا الطمّاعون، ولا السكّيرون، ولا الشتّامون، ولا الخَطَفة يرثون ملكوتَ الله” (1 كورنثس 9:6-10).

لكنّه ينتقد من جهة أخرى الناس الذين يرون في الجسد عينه وفي ما يُفيد الجسد أمرًا سيّئًا. فيكتب إلى تيموثاوس: “والروح يقول صريحًا: إنّ بعضًا سيرتدّون عن الإيمان، في الأزمنة الأخيرة، ليتَّبعوا أرواحًا مُضِلّة وتعاليم شيطانيّة، يُلقيها في رئاء أناسٌ مُتَخرَّصون، ضمائرُهم موسومة. فإنّهم يمنعون عن الزواج، وعن أطعمةٍ خلقها الله لكي يتناولها في شكرٍ المؤمنون والعارفون بالحقّ. فإنّ كلّ خليقة الله حسنة، ولا شيء للطَّرح ممّا يُتَناوَل بشكر: لأنّه يُقدَّس بكلمة الله وبالصلاة” (1 تيموثاوس 1:4-7). وفي هذا السياق ينصح تيموثاوس بشرب قليل من الخمر بمثابة دواء لأمراض معدته، فيكتب له: “لا يكنْ شرابُكَ من بعدُ الماءَ فقط؛ بل خُذْ قليلاً من الخمر بسبب معدتكَ وأمراضكَ المتواترة” (1 تيموثاوس 23:5). غير أنّ الحريّة في تناول الأطعمة وفي تناول الخمر لا ينبغي أن تكون فرصَة للسقوط في شهوات الجسد. هذا ما يُشير إليه أيضًا بولس الرسول بقوله: “فأنتم، أيّها الإخوة، إنّما دُعيتُم إلى الحرّيّة. ولكن، لا تجعلوا هذه الحرّيّة فرصةً للجسد” (غلاطية 13:5).

لقد خُلِق الإنسان على صورة الله، وهذه الصورة تتشوّه بمختلف القبائح والخطايا. وعن هذه القبائح والخطايا يجب أن يصوم الإنسان أوّلاً. وما الصوم عن شهوة الطعام إلاّ لتذكير الإنسان بضرورة صوم القلب أي تنقيته من كلّ ما يشوّه صورة الله فيه.

المصدر: النهار