1. Home
  2. زوايا
  3. أنفاس مبلولة بالاعتياد
أنفاس مبلولة بالاعتياد

أنفاس مبلولة بالاعتياد

79
0

هل ضاق ليل رأسي بهذه المدينة؟ الأرصفة فيها تكحُّ خطواتنا المترددة ، عجوز تقارع مراهقها كأنها في غرفة نومه العابقة بسجائر التمرد، واجهات متاجر يقبّلها البرد كون لذتها في رفوف خسارتها…والشرفات تؤكد أننا على قيد الحياة فقط من خلال ضوء وجيز في هذا المبنى القاتم أو ذاك…
الوباء الذي يتمشى هل يطالع ريح طيشنا؟ هل يقرأ ذكرياتنا في هذي الأزقة أو تلك ؟ أم مسامعنا صارت ميناء صدئًا لا يحتمل جرعة حنين؟


أفتح التلفاز…أقرأ الدماء ، الوفاة، وأمرغهها جميعا بقصاصة من ورق التغاضي… اه تذكرت أني قاطعت السياسة مذ صار على وجه بيروت فطريات الذل والفقر والاغتيال بحزام القضاء والقدر…افتح أرشيفي ، أراجعني بعد ربع قرن من الشاعرية المشوّشة ، بعد ربع قرن من التعافي والابتلاء من الاحتضار والميلاد…”أفلفش” في ملهاة استمراري وسكوتي، في أرشيفي هذا صور نساء عاريات وثّقت لذتي على صفحات أجسادهن، محادثات مع نساء عبرن كالمستعمرات على قرى صدري بحثًا عن بساتين الغزل وزيتون الاحتواء ، أقتباسات من مجموعات محمود درويش، شوقي بزيع، وديع سعادة عباس بيضون … صور فيروز ، أم كلثوم ، جمال عبد الناصر، وأشياء أخرى أستطيع أن أجسدها على شاكلة شجرة الضمائر المتصلة والمنفصلة التي سأشرحها لطلابي…ووسط هذي الزوبعة ألتقط الأمطار كالسكاكين كي ابتز الوقت ويمثل لرغبتي في التوقف قليلا…stop، stop ،stop العالم ما زال يمشي رغم انعدام الثواني…العالم ما زال يحبو بذرّاته البشريّة في باحات تفكيري…كثيرات من اللواتي دخلن حياتي أو اقتحمت وجودهن كمخطئ في عنوان تقبل التعازي اراهنّ في حمّام تركي قديم لا شيء سوى بخار الماء الدافئ يمازح أجسادهن ينظرن إليّ يأخذن من دموع ارتباكي حبالا تليق بشنقي…يتبارزن كأني المملوك الوحيد الذي سيشنق بسبب جرائم أجداده …هذه تريدني الموت بريفيّة هادئة…وتلك تريد طمس أنفاسي كسحق السيارات لرئة المدن نهار السبت…وأولئك لا يردن سوى تصفح وجهي الساكت عن جرائم تعابيره…وأمي هناك بعيدة بعيدة…تعاتبني لأني أكره البلاغة والعروض وصرف ونحو( ٢) وأحقد على الزحاف والعلة وتفاصيل أهملها في جامعة تعلمني الموت في حديقة تضج بأضرحة الحقوق الدنيا ويمر الواجب عليها كعقاريّ يحلم ببناء برج عاجي لبعض الأساتذة الاشاوس…
أكره كل شيء وثمة صوت يفوق السكون يجتاح عمى أعصابي…ثمة خوف يراودني في غيبوبة يدعس فيها الألم على طرف أنفاسي المبلولة بالاعتياد…

النضج وجدتها يا أنتِ، يا أنتما، يا أنتن …سأستحم لاغتسل جنب تساؤلاتي…وأصلي بعدها ركعتي شكر لله الذي أضاعني
كي أجدني.