روزانا بو منصف – اعاد الاغتيال الصادم للمفكر والناشط السياسي لقمان سليم بسرعة الى الاذهان مرحلة الاغتيالات السياسية التي بدأت مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 2005، بما ترمز اليه من استهداف للقوى السيادية الداعمة لاستقلال لبنان والمحافظة على سيادته، والتي ساهمت في تركيز الاسس السياسية لما وصل اليه الاعتلال في النظام راهنا على خلفية تغيير الاغتيالات موازين القوى في لبنان. هل هو الترهيب الذي قصده الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في كلامه عن التحالف بين الترهيب والفساد في لبنان قبل ايام؟ وهل المرحلة السياسية التي تواجه استعصاء واقفالا تحتاج الى الاغتيال كعنصر لتوجيه الدفة السياسية في اتجاهات قسرية معينة وما هي عناوين المرحلة الاخرى المطلوبة علما ان سليم ليس منتميا الى منظومة سياسية على غرار الشخصيات التي تم اغتيالها بين 2005 و2013؟ ولماذا قد يختلف لبنان عن العراق وسوريا في اطار الاستشراس في توجيه الرسائل الاقليمية والدولية عبره؟ ولكن الاهم لماذا هذا التوقيت لاغتيال لقمان سليم المعارض المعروف على مستوى النخب المثقفة والمجتمع المدني ولكن ليس على المستوى الشعبي بالمقدار الذي حظي به بعد اغتياله باعتباره صوتا معارضا ومنتقدا لـ”حزب الله” فاذا به يقتل في مناطق سيطرة الاخير ما يجعله في واجهة من توجه اليهم اصابع الاتهام اليه؟ وهذه النقطة في حد ذاتها مهمة والبعض يقول مريبة لانها تحمل بصمة فاقعة ليس معهودا ان تكون كذلك على الاقل في هذه المرحلة من تظهيرالحزب صورة مختلفة عن اوقات كثيرة سابقة ما لم يكن يراد منها انقاذ او تفادي واقع يتهدده من الداخل وفق ما سرت بعض المعلومات. وهذا في حد ذاته مأزق كبير محرج.
لا بد من الاقرار بان اغتيال لقمان سليم اثار صدمة كبيرة لجهة مدى اتساعها وشمولها في زمن اعتقد اللبنانيون ان زمن التصفيات والاغتيالات قد ولى ولم تعد ثمة حاجة اليه ومن المرجح ان تكون للعملية تداعيات كبيرة. اذ هي طرحت علامات استفهام من زاويتين على الاقل: احداهما التي تعبر عنها رمزية الناشط السياسي الشيعي المعارض لـ”حزب الله” واحد ركائز المجتمع المدني الشجعان بحيث ظهر اغتياله كرسالة تستهدف في الدرجة الاولى المعارضين في البيئة الشيعية للحزب ولاستناده على ايران كاولوية على حساب لبنان ولكن ايضا استهدافه الفكر الشيعي الحر المعارض الذي ينفتح على كل الطوائف وعلى الحوار مع كل ممثلي الدول بجرأة. اذ ليست قليلة او سهلة الرسالة التي التقطها السياسيون والمثقفون والاعلاميون الشيعة من خارج بيئة الحزب ومن معارضيه على انها منه في الدرجة الاولى.
ولعل هذه النقطة الوحيدة التي تشكل تمايزا عن مسلسل الاغتيالات التي استهدف شخصيات مسيحية وسنية تطويعا للفريق السياسي الخصم وتدجين الواقع السياسي في لبنان بعد 2005. واستحضار اغتيال هشام الهاشمي في العراق على لسان كثر في اوجه الشبه ليس في اسلوب الاغتيال فحسب بل في واقع ان الهاشمي كان داعما ايضا للانتفاضة الشعبية في العراق ومنددا بموالاة الحكومة العراقية السابقة للنظام الايراني وباصلاح للنظام السياسي يحصر قراءة عمليتي الاغتيال في استنتاجات واحدة عمن يقف وراءها وعن اهدافها في ظل اتهامات جاهزة عن العمالة لاميركا واسرائيل او الخيانة وما شابه ذلك. وربما تجدر الاشارة الى ان الاحتجاجات الشعبية في كل من العراق ولبنان اعتبرتها ايران انتفاضة او ثورة ضدها وردت عليها باتهامات تخوينية. اما الزاوية الثانية فهي تلك يخشى ارتباطها بترجمة متغيرات لمرحلة ما يتم التمهيد لها تماما كما الاغتيالات السابقة التي اريد منها الوصول الى خلاصات معينة. فشبح الاغتيالات يعود الى الواجهة في ظل وجود دولة فاشلة ومؤسسات منهارة وشبه قائمة وتكرس ظواهر انهيار امني متنقل بين انتفاضة في طرابلس تداخل فيها الجوع ورفض الفقر مع اختراق سياسي واضح وبين اعتقال الجيش اللبناني خلية من بقايا ما يسمى تنظيم الدولة الاسلامية وصولا الى الاشتباك بالدرون بين اسرائيل والحزب، مؤشرات ليست تعبيرا عن لبنان كساحة لتبادل الرسائل او تمريرها بل عن ان التهديد بالفوضى الامنية والتلويح بها يستدرج ردود فعل معينة تماما كما في السابق. وتجدر الاشارة الى ان صراع المسيرات اخيرا لافت ويثير علامات استفهام اذا كان هناك مسعى اسرائيلي لاستدراج الحزب الى عمل ما.
يخشى البعض الا تكون التطورات الاخيرة مؤشرا للارتياح لا سيما لدى من وجهت اليهم اصابع الاتهام فورا باغتيال لقمان سليم. فمثل هذه الاغتيالات لا تحتاج الى اي تحقيقات قضائية لا سيما في لبنان لانها لن تؤدي الى اي نتيجة بدليل ان اي ملف للتحقيق في الاغتيالات السابقة لا تضم اي ورقة او معلومات. انه اجراء شكلي عبثي لا يؤمن به احد ولا يوصل الى نتيجة والنماذج جاهزة لدحض اي تفاؤل لا سيما عملية قتل جو بجاني اخيرا في الكحالة والتي لم تفض الى اي شيء. ولكن قراءة عملية الاغتيال انه لم يكن لقمان سليم ليكون مخيفا او مقلقا الا بنسبة ما قد يكون واقع من يقف وراءه هشا وليس قويا على عكس ما قد توحي عملية الاغتيال في حد ذاتها او هو يسعى الى تحصين نفسه من اي اختراق او تهديد لواقعه في ظل المتغيرات المستقبلية قريبا. وهذا لن يكون من دون تداعيات يخشى ان تكون متدحرجة مع انكشاف الاسباب الحقيقية التي تبدأ من حرية التعبير ولا تقتصر عليها من دون استبعاد تطورات سياسية تحيد الانظار وتبدو بمثابة ثمن يضمن صمت اصوات المعترضين ما لم يكن الرهان على ان زمن الاغتيال راهنا مشابه لزمن الاغتيال سابقا.
المصدر: «النهار»