ماذا يعني أن أكثرية لبنانية باتت لقمتها مغمسة بالذل؟ هل تحدث أحد من أصحاب الحل والربط عن هذا الأمر الخطير؟ وماذا يعني أن أكثرية لبنانية متروكة لمصيرها أمام العوز والمجاعة والموت نتيجة تفشي الوباء، والوباء المتحور على ما تردده بعض الأوساط الطبية، لأنهم تركوا لبنان بلد الأجواء المفتوحة على استقدام الموت؟ وماذا يعني أن قدرة المواطن على الصمود رهن قدرته الشرائية من السوق السوداء؟ وأن هذه القدرة محدودة، والأبواب مقفلة بوجه الناس وخاصة من هم أكثر حاجة، ما يؤكد أن كثيرين سيصبحون مشاريع ضحايا؟ بحيث يحصد الوباء العشرات من اللبنانيين كل يوم، ويزداد الموت مع تراجع المناعة نتيجة تفاقم المجاعة! هل استوقف هذا الأمر، الذي حول البلد إلى قبر مفتوح، أي جهة من المنظومة السياسية المستبدة التي لا أولوية لها إلاّ تجديد المحاصصة الطائفية المدمرة واقتسام المتبقي من البلد؟
مددوا الحجر ولم يلتفتوا إلى تأمين أولويات مقومات الحياة، من غذاء ودواء وحليب للأطفال! فبات القرار الخطير أشبه بإعلان إعدام جماعي للكثير من المواطنين! الناس الذين نزلوا في ساحات طرابلس، ودوار ساحة إيليا في صيدا، نزلوا مضطرين لأن الجوع عضهم بنابه ولا يرحم، فإما تأمين الحد الأدنى من حاجاتهم أو ليعودوا إلى أعمالهم، فماذا فعل أصحاب القرار غير إرسال القوى الأمنية والجيش لضب الناس بالقوة؟ لقد كانوا يعلمون منذ زمن أن سياساتهم ستحاصر اللبنانيين بالموت حتى بدون “كورونا”، وتحذيرات البنك الدولي والمؤسسات الدولية معلنة ومعروفة وحددت أنه ما بين 50 إلى 60 % من اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر، لأنهم نهبوا وشردوا من أعمالهم وتركوا إلى مصيرهم، وتسببت العشوائية في قرارات الإقفال دون أي بديل في تفاقم المآساة!
للحقيقة أصحاب الحل والربط زمرة الاستبداد والفجور بادروا فوراً إلى الاستثمار في الجوع والمرض، لتنشيط الزبائنية مرة أخرى ولاستعادة عصبيات محلية كسبيل لاستعادة شعبية مهزوزة، فكان تمنين عائلات بعض المناطق بتوزيع ليترات من المازوت وربطات من الخبز، فيما فريق آخر بدأ التباهي بأنه وفر لجماعته ساعات فحص الأوكسيجين وبعض أجهزة الإنعاش، والبعض الآخر استورد أدوية بخسة الثمن غير مجازة ولم يثبت طبياً أنها مفيدة لعلاج المصابين ب”كورونا” وإلاّ كان العالم قد استخدمها!
ستتفاقم المأساة ومافيا الحكم تنام ملء جفونها. هي استناداً إلى مقدرات الدولة وإمكاناتها قادرة على إجراءات توقف الانهيار ولن تفعل، قادرة على حماية حياة الناس ولن تفعل، لأن قدرات البلد مستباحة، لذلك لم تقدم المساعدة التي تحمي كرامات الناس، ولذلك نهبت المساعدات العينية، ونهبت المساعدات المادية، ولم تجهز المستشفيات! وأهل النهب ليس في أولويتهم وضع كارتل المستشفيات أمام المسؤولية الوطنية التي لا تقبل موت مواطن على أبواب مستشفى! وليس من مصلحتهم وضع الحدود أمام محتكري الدواء الذين احترفوا الإتجار بحياة الناس!
مرة أخرى يتأكد المؤكد لا حلول من أي نوع كان إلاّ برحيل مافيا الإجرام وحماتها في الداخل وخلف الحدود. وحدها بلورة وحدة شعبية بين المتضررين الموجوعين ستكون رافعة للتغيير السياسي ومدخله تطوير شعار الثورة :”كلن يعني كلن” إلى إعلان وطني صريح: ممنوع على لصوص برلمانات وحكومات ما بعد العام 1990 الترشح لأي مسؤولية! آن أوان فرض حجر سياسي على الذين استسهلوا إذلال الناس!
وبعد، لا حكومة جديدة، ولا أي حكومة في المدى القريب، ليس لأنه لم يعد بين عون والحريري”حيط عمار”، فتشكيل الحكومة لم يعد أمراً بين أطراف المنظومة الداخلية التي تتصارع على المحاصصة. إنه قرار طهران الممسكة بمفاصل البلد من خلال حزب الله! وحكام إيران لن يفرجوا عن أي حكومة قبل بدء التفاوض مع الأميركيين.. وهذا الأمر ليس أولوية أميركية، ويستحيل التطرق إلى مثل هذا الملف في الأشهر القليلة المقبلة قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية مطلع تموز المقبل..وهكذا يترك البلد بين أيدي حكومة الصدفة ووزراء الصدفة وضحية أطماع المقامرين برقاب الناس بعدما أفشلوا المحاولة اليتيمة لتشكيل حكومة مهمة كان كلف بها مصطفى أديب..إنهم قوة احتلال يعاملون اللبنانيين على أنهم أعداء لهم ولن يتراجعوا ولو تحول البلد إلى رماد. وبالتأكيد ستحاول فرنسا مجدداً مدفوعة بإمكانية تفاهم بين باريس وواشنطن، لكن من أفشل المحاولة الأولى لن يتورع عن إفشال الثانية، لكل ذلك نعود للتأكيد أن لا بديل عن اقتلاعهم متى تتبلور قوة اللبنانيين في ميزان قوى راجح، والقوة بيد الناس!
وبعد البعد، هل سينجح القضاء السويسري بأن يفرض على القضاء اللبناني القيام بدوره؟ الاشتباه تأكد وتأكد الحجز الاحتياطي على الأموال وهي مئات ملاين الدولارات، والحجز سارٍ حتى انتهاء التحقيقات، وحتى كل المرتشين الذين تناوبوا على محاولة تببيض صفحة رياض سلامة، يعرفون، أن بلداً كسويسرا يشكل القطاع المصرفي فيه العمود الفقري لكل البلد، لديه قضاء فاعلاً ومتيناً وإلاّ لما كان يستقطب ثروات العالم! القضاء في سويسرا هو سلاح ضمان الشفافية.. إن الفرصة مؤاتية للقضاء اللبناني للتحرك والإمساك بطرف الخيط الذي من شأنه أن يفضي إلى بدء معركة كشف الجرائم الكبيرة المرتكبة بحق لبنان واللبنانيين والمستثمرين والمودعين وبالأخص صغارهم، والذهاب إلى فرض التدقيق الجنائي.. وإلاّ سيكون البديل أن الأموال التي تم التحفظ عليها، ستكون بتصرف الجهات السويسرية، وهذا بالضبط ما كان مصير المليارات التي صودرت تباعاً في سويسرا وكانت مصادرها مشكوك بها!