المطران كيرلس بسترس – إنّ الوصيّة الأولى من الوصايا العشر تتعلّق بعبادة الله: “أنا هو الربّ إلهكَ، لا يكنْ لكَ آلهة غيري”. إنّ عبادة الله هي أولى الوصايا وأعظمها شأنًا، ويطبّقها الإنسان بالصلاة وتقديم القرابين. لكنّ هذه العبادة لا يقبلها الله من أيّ مؤمن به إذا كان هذا المؤمن قد أهان أخاه ولم يتصالحْ معه. هذا ما يؤكّده الربّ يسوع في عظة الجبل بقوله: “فإن جئتَ بقربانكَ إلى المذبح وتذكّرتَ هناكَ أنّ لأخيكَ عليكَ شيئًا فدَعْ قربانكَ هناك، قدّام المذبح، وامضِ أوّلاً فصالحْ أخاكَ، وحينئذٍ ائتِ وقرّبْ قربانكَ”. ثمّ يُضيف: “بادرْ إلى موافقة خصمكَ ما دمتَ معه في الطريق لئلاّ يُسلمكَ الخصم إلى القاضي، والقاضي إلى الشرطيّ فتُلقى في السجن. فالحقّ أقول لكَ إنّك لا تخرج من هناك حتّى توفي آخر فلسٍ عليكَ” (متى 23:5-26).
إنّ الله حاضرٌ في كلّ إنسان، لأنّ الإنسان خُلِق على صورة الله ومثاله. فعندما تُهين الإنسان تُهين في الوقت عينه الله. وعندما تزدري الإنسان تزدري في الوقت عينه الله. فإذا ذهبتَ لتقديم قربانكَ لله ونفسُكَ مملوءة حقدًا على صورة الله في شخص أخيك، فأنتَ ترائي، إذ يكون قربانكَ مجرَّد مظهرٍ خارجيّ. والله لا تُهمّه المظاهر الخارجيّة بقدر ما يُهمّه صفاءُ القلب وصدقُ النوايا. وفي هذه الحالة تكون عبادتكَ لله أشبه بعبادة الأصنام. لذلك انتقد يسوع الكتبة والفرّيسيّين بأقسى الكلمات قائلاً لهم: “ويلٌ لكم، أيّها الكتبة والفرّيسيّون المراءُون، فإنّكم تُشبهون القبور المكلَّسة التي يبدو ظاهرها جميلاً فيما باطنها ممتلئ عظام أموات وكلّ نجاسة. أجل ذلك أنتم: إنّكم في ظاهركم تَبدون للناس أبرارًا فيما باطنكم ممتلئٌ رياءً وإثمًا” (متى 27:23-28).
هذا ما حفظه التلاميذ من تعليم يسوع. وهذا ما يشدّد عليه القدّيس يوحنّا الإنجيليّ في معرض كلامه على المحبة في رسالته الأولى: “إنْ قال أحدٌ: ’إنّي أُحِبّ الله‘ وهو يُبغِض أخاه، فهو كاذب. فمن لا يحبّ أخاه وهو يراه، فلا يستطيع أن يحبّ الله وهو لا يراه”(1 يوحنّا 20:4). ويُضيف: “كلّ من يؤمن أنّ يسوع هو المسيح، فهو مولودٌ من الله، وكلّ من يُحبّ الوالد يُحِبّ المولود منه” (1:5). من آمن كان حقًّا ابن الله. والمولود من الله يُحِبّ الله بصفته أبًا، ويُحِبّ إخوته بصفتهم أبناءً لله آخرين.
وبولس الرسول، في كلامه على المصالحة، ينطلق من أنّ “الله هو الذي صالحنا مع نفسه بالمسيح، وائتمننا على خدمة المصالحة. لأنّ الله هو الذي صالح، في المسيح، العالم مع نفسه، ولم يحسبْ عليهم زلاّتهم”. ثمّ يضيف: “فنحن إذن سفراء المسيح، كأنّما الله يعظ بنا. فنناشدكم بالمسيح: أن تصالحوا مع الله! إنّ الذي لم يعرفِ الخطيئة جعله خطيئةً من أجلنا، لكي نصير نحن به بِرَّ الله” (2 كورنثس18:5-21). إنّ السيّد المسيح قد حمل في آلامه وصلبه كلّ خطايا العالم، وبه حصلنا على البرّ وتصالحنا مع الله، وفي الوقت عينه تصالحنا بعضُنا مع بعض. فالذين يقبلون مصالحة الله ويرفضون مصالحة إخوتهم الذين مات المسيح أيضًا من أجلهم، تقول عنهم الرسالة إلى العبرانيّين “إنّهم يُعيدون، بأنفسهم، صلب ابن الله، ويُشهّرونه” (6:5).
إنّ السيّد المسيح قد مات “ليجمع في الوحدة أبناء الله المشتَّتين” (يوحنّا 52:11). وهذه رسالة الكنيسة للعالَم اليوم، كما منذ ألفي سنة: أن تجمع في الوحدة جميع أبناء الله المشتّتين، بحيث إنّ المصالحة التي حصل عليها المؤمنون بالمسيح مع الله وبعضهم مع بعض، تمتدّ لتشمل جميع الناس من مختلف الشعوب والأمم.
ولبنان المكوَّن من ثماني عشرة طائفة دينيّة تؤمن كلّها بالله الواحد، ألا يجدر بأبنائه، قبل أن يذهبوا إلى أماكن العبادة لتقديم صلواتهم وقرابينهم، أن يكفّوا عن الانقسام والتنازع ويتصالحوا بعضُهم مع بعض؟ إنّ المصالحة تُبنى على الثقة وعلى النظرة الإيجابيّة للآخر. ولكن مع الأسف ما يسود في لبنان حتى الآن إنّما هو عدم الثقة بين اللبنانيّين. فكلّما تقدّم أحدٌ باقتراح جريء لتحسين الأوضاع، كاقتراح الحياد الذي تقدّم به بحكمة غبطة الكردينال مار بشارة الراعي، يتّهمه على الفور ومن دون دراسة جدّيّة بعض الأشخاص بالخيانة والعمالة. في حين أنّه يجب التعامل مع مثل هذه المبادرة بالإيجابيّة وبالحوار المنفتح المرتكز على الثقة بأنّ الشخص الآخر الذي لا يشاركنا آراءنا هو أيضًا يريد خير لبنان، وربّما يكون موقفه الجديد أفضل من الموقف المهترئ الذي نتمسّك به إمّا لارتباط مصالحنا بدول إخرى، وإمّا لكبريائنا وتعنّتنا فلا نريد أن تأتي عن يد غيرنا الحلول لما يعاني به الوطن من مشكلات.
فإذا لم تتمّ بين اللبنانيّين مصالحة جدّيّة مبنيّة على الثقة وعلى الاحترام المتبادَل، فعبثًا ننتظر الحلّ من تغيير الحكومات أو المؤسَّسات. فالتغيير يجب أن يبدأ من داخل الإنسان. وهذا الداخل هو ما جاء السيّد المسيح ليغيّره في الإنسان.
المصدر: «النهار»