نبيل بو منصف – لا تبدو الاحتدامات المتصاعدة بغرابة لافتة عقب تحرك البطريرك الماروني في شأن الازمة الحكومية آخر حلقات المفاجآت السلبية في ما تبقّى من هذه السنة المشؤومة، إذ ربما ينتظر اللبنانيين مزيدٌ مخبّأ بعد.
ذلك ان تلازم مسارات الازمات والتصاقها بعضها بالبعض الآخر أودى هو الآخر بالتحقيق العدلي في انفجار مرفأ بيروت الى شلل بعدما كان عموم اللبنانيين، اضافة الى أهالي شهداء انفجار 4 آب وجرحاه ومهجريه، ينتظرون على الأقل اختراقاً للعدالة قبل نهاية السنة علّها تسكب لمسة عزاء على أسوأ ما ألمَّ بهم في السنة 2020. طار هذا المسار ملتحقاً بمسار تأليف الحكومة الهائمة تحت وطأة نزعة سلطوية مكشوفة يمارسها تحالف سياسي متحكم بلبنان ويتوزع أطرافه الأدوار التدميرية بلا هوادة. ولذا لا يمكن ان نسلّم مع الذين يسلّمون بأن المسارات المأزومة لا تزال عرضة لحسابات التحاصص التقليدية المنقرضة، والتي يراد لها ان تُفرض على الرئيس المكلف سعد الحريري بعدما وضع كل أوراقه على الطاولة بتشكيلة لا ممر الى المجتمع الدولي إلا عبرها، فكان الانفجار الطالع في وجهه. ثمة وجه آخر لهذه المؤامرة الموصوفة كما لم يعد يجوز ان توصف إلا بها وهو ذاك الذي تعاينه الآن، في هذه الأيام الميلادية تحديداً، في بيروت بدءاً من قلبها. بإزاء فورة المواقف الطالعة حديثاً ومجدداً حول المناطق المتضررة من الانفجار المزلزل لمرفأ بيروت، وعلى خلفية التطورات الحاصلة في التحقيق العدلي، نتساءل عما اذا كانت صورة الواقع الصادم والحزين والموغل في الوحشة لوسط بيروت تحديداً قد تراءى للجميع وما تعنيه بيروت الخاوية من الحياة؟
تكفي جولة “ميدانية” ولا نقول سياحية، مع الأسف الشديد، في كل انحاء وسط بيروت وعلى كتف المناطق الأكثر تضرراً من الانفجار لكي يعاين مراقبٌ من داخل لبنان أو من خارجه الفداحة المخيفة لترك الازمة مفتوحة وترك بيروت ومعها وعبرها بالمنحى الرمزي والعملي والفعلي على هذه الصورة المفجعة التي ربما تعكس للمرة الأولى بهذه القوة الصادمة صورة الجمهورية والدولة والبلد كله. اذا كانت نسبة تفوق التسعين في المئة من المتاجر والمحال والمؤسسات والشركات قد غدت مقفلة كلياً أو جزئياً أو هجرت وسط بيروت منذرة بأخطر ما عرفته العاصمة منذ الحرب التي دمرتها وشطرتها الى شطري التحارب والانقسامات، فأين تلك اللهفة التي تذرف الدموع على هذه او تلك من قضايا الشعب اللبناني تبعاً لأهواء الطبقة السياسية بغالبيتها، وفي مقدمها أولئك الذين يزعمون أنهم يعانون الأرق القاسي جراء قلقهم على الناس؟ بات وسط بيروت مع مجموع المناطق شرقاً وغرباً التي ضربها زلزال 4 آب يختصر العنوان الأكبر والأكثر رمزية لمصير بلد ونظام ودولة تجري تصفيته يومياً بتعمّد مقصود لا جدل حياله، فيما الذين يناهضون هذا المنحى لا يقفون بقوة كافية ولا وفق ميزان قوى متكافئ لرد المخطط اللعين. لم نسمع ما يكفي وحتى لم نسمع إلا النزر القليل عن هذه الصورة المفجعة الشمولية لبيروت ووسطها ومناطقها كرمز متجدد لمأساة لبنان التي يُفترض ان تكون هي المنطلق الأساسي لمواجهة سياسية واقتصادية وإنمائية وثقافية. بيروت بدءاً من قلبها ينبغي ان تصحح بوصلة المواجهة لئلا لا يبقى منها سوى شواهد على نجاح مؤامرة.
المصدر: «النهار»