حنا صالح – أين أصبح البلد وأهله، مصالحه ومكانته ودوره، في ظل تحكم هذه المنظومة الفاسدة؟ وإلى أين يدفع لبنان وأي أثمان ستلقى على عاتق ناسه مع تسليم قراره إلى حزب الله وتحديد دور البلد مجرد ورقة في أجندة حكام طهران؟ يكفي إلقاء نظرة على مؤتمر باريس الدولي لتوفير دعم إنساني للشعب اللبناني لاكتشاف الحقيقة، والحقيقة أن الخارج أكثر حرصاً على اللبنانيين من المتحكمين في الداخل، الذين لا يرف لهم جفن على المصير الذي وصل إليه البلد!تعالوا معاً لنواجه الواقع كما هو، الواقع المفروض على اللبنانيين أن ينتظروا فتات الموائد! يا حيف!
اليوم سيبدو الرئيس الفرنسي ماكرون في موضع “طالب الحسنة” من المجتمع الدولي، لتوفير وجبات غذائية للمخيم اللبناني! نعم المخيم المتروك من المتجبرين الناهبين والذي يضم أكثر من 6 ملايين بين لبناني ولاجيء سوري ولاجيء فلسطيني! وسيتعهد الرئيس الفرنسي لمن سيلبي دعوته أن هذا الدعم الانساني لن يمر من خلال مؤسسات الدولة، لأنه لا ثقة بالمسؤولين اللبنانيين، الذين لن يتورعوا عن نهب المساعدات وحرمان المستحقين منهل، وبيعها في السوق السوداء بعد حصر التوزيع بالأتباع والمحاسيب!
السؤال الذي يطرح نفسه لماذا وما الموجب لوجود الرئيس عون؟ وهو أكثر من سواه يعلم أن عجز المنظومة المتمادي في تأليف حكومة بحدٍ أدنى من المقبولية الخارجية، يظلل مؤتمر باريس حيث تناتمت الخيبة الفرنسية والدولية من منظومة الفساد التي أخذت البلد إلى الانهيار، وماضية دون وازع في نهج المحاصصة.. وهذا الوضع ، مع مشاركة عون، قد ينعكس سلباً على حجم الاستجابة الدولية للدعم الانساني. ولكن المؤتمر سيؤكد على مسمع من عون أن السلطات اللبنانية باتت فاقدة للثقة والمشروعية..يقابل ذلك أن رئيس فرنسا سيكون الجهة المعبرة عن وجع اللبنانيين، المدافع عن مصالحهم، وضرورة توفير الدعم لهم!
إذن سيعلن مؤتمر باريس أن منظومة الحكم في لبنان ليست أهلاً للثقة، بل هي الجهة المسؤولة عن نهب لبنان وإفقار شعبه، والمسؤولة أيضاً عن خطف أرواح أبنائه في التفجير الارهابي يوم 4 آب، والتي لم تتحمل أي مسؤولية لجهة بلسمة الجراح لا في التحقيق المفترض أن يوصل إلى العدالة ولا في إعادة الاعمار وتوفير سقف لمن فقد بيته وتبدلت كل حياته، وأن هذه المنظومة تواصل نهج إجهاض المبادرة الفرنسية وهي الوحيدة التي رسمت أفقاً ولو متواضعاً لانتشال لبنان!
رغم كل ذلك فإن مضمون كلمة عون لم يعد سراً ولا يحمل جديداً، وبالتأكيد لن يقنع أي جهة دولية، لأن سداها ولحمتها، ستكون محاولة مكررة من القصر تقديم صورة ناشطٍ سياسي غير مسؤول عن الانهيارات وما أنزل ذلك من كوارث بالبلد وأهله، في سعي إلى النأي بنفسه وفريقه عن الطبقة السياسية ومثالبها، وكيف يمكن ذلك وهو رئيس هذه الطبقة ويقود الأكثرية ضمن مجموعة الحكم؟ اليوم أيضاً تجتمع اللجان النيابية وقد وضعت اللبنانيين بين خيارين التعجيل بالمجاعة مع رفع الدعم الذي يطال الأغنياء من الفقراء أو مد اليد على بقية باقية إسمها الاحتياطي اللزامي أي هي جزء يسير من أموال المودعين!
اللجان المشتركة ستفتي بمواصلة الجريمة، وستذهب نحو مخرج رمادي، يتيح التوسع في السطو تحت عنوان ترشيد الدعم وترشيقه، وسيتحدثون عن يطاقات مساعدة للأسر الأكثر حاجة، وبالتأكيد لديهم اللوائح بأتباعهم والمحاسيب، وما من رادع قانوني وما من وازع أخلاقي يحول دون مضي أهل الفساد في غيّهم!
هذه الخطوة تتم مع بلوغ التضخم القمة، فبات لبنان البلد الثاني في التضخم المفرط بعد فينزويلاما يعني أن مزيداً من الأوزار ستلقى على الفقراء وعددهم سيتجاوز نصف سكان لبنان وفق البنك الدولي كنتيجة لكل السياسات المالية والنقدية التي فرضت! ويصيب التضخم أول ما يصيب رغيف الفقراء وحبة دواء المهمشين وكل أصحاب المداخيل الثابتة ولا سيما المتقاعدين.. والحصيلة ما من جهة تولي هذا التحدي أي اهتمام فالبلد متروك وغابة الديناصورات المستبدة تواصل نهش لحم المواطنين!
وبعد تتوالى فصول الجرائم المرتكبة على المال العام، فجريدة “لوموند” اتهمت سلامة بالمسؤولية عن وجود زيادة مشبوهة في أصول مصرف لبنان بقيمة 6مليارات دولار بسبب إجراءات حسابية مشكوك بها، مستندة إلى التدقيق المحاسبي، وليس التشريحي الجنائي، الذي أجرته شركة “ديلويت” المتعاقد معها مصرف لبنان، والتقرير موجود لدى الجهات الرسمية منذ حزيران الماضي، وما من جهة طرحت سؤالاً على الحاكم الميلياردير..في بلد مفلس ومنهار!
وتتوالى أصداء التقرير الذي نشرته “وول ستريت جورنال” والتي قالت أن حزب الله هو بين من يمنع التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان. والسبب أن التدقيق قد يكشف عن حجم تبيض الأموال وتمويل الحزب، والاجراءات التي أنخرطت بها جهات في مصرف لبنان مع جهات في الكارتل المصرفي للإلتفاف على العقوبات الأميركية!
ترى ما موقف تلك الفئات التي تزعم أنها حجزت لنفسها خانة احتكار الثورية وذهبت بعيدا،ً بتشجيع من حزب الله، تحت عنوان “يسقط حكم المصرف”، وكان الهدف تجويف شعار ثورة تشرين الذي يطال الجميع، عندما تقف أمام الوقائع الدامغة عن قيام “حكم المصرف” بتمويل حزب الله، وكل أشكال التمويل هذه والهندسات المالية تمت من جيوب الناس وعلى حسابهم وعجلت في سقوط البلد!