حنا صالح – “الناس بالناس”، إنه زمن الهزل وتجاهل الوجع ومسبباته، والذهاب بعيداً في تحريك السكين في جرح كل جائع وكل موجوع وكل متروك فريسة أمام الوباء! الأمر يسري على مسرحية اجتماع اللجان النيابية، كما على رسالة قاضي التحقيق في الجريمة ضد الانسانية التي ارتكبت في الرابع من آب، ويسري وبقوة على الجلسة النيابية للاستماع إلى رسالة رئيس الجمهورية بشأن التدقيق الجنائي حيث تتحضر فصول جديدة لتكرار تجربة العفو عن جرائم الحرب بفرض العفو عن جرائم النهب!
اليوم يكون قد مرّ 114 يوماً على الجريمة. 114 يوم من أصل الأيام الخمسة التي تم تحديدها لكشف المرتكبين وسوقهم إلى العدالة بتهمة المسؤولية عن أكبر جريمة إرهابية استهدفت العاصمة ولبنان! كم جلسة عقدها برلمان العام 2018 تحت هذا العنوان، وتحت عنوان تحمل المسؤولية عما جرى؟ كيف لعب البرلمان دوره في الاستنهاض وفي دفع عجلة إعادة إعمار ما تم تهديمه عن سابق قصدٍ وتربص؟ وماذا قدم لجهة وضع القوانين التي تبلسم الجراح؟التي توجه الرسالة إلى الداخل والخارج، بأن بيروت ستبقى بيروت، ولن يتحول لبنان إلى ضاحية فقيرة مهملة لإسرائيل كما يطمح حكام طهران لتسهيل وضع اليد على البلد!
لا لزوم لإعمال الذاكرة بأمور لم تحدث ولم تخطر على بال المشرعين الذين تدرس الجامعات إبداعاتهم! لم يفعل شيء، بل لقد قاتل جهابذة التشريع لإقرار قانون عفو عن تجار الخدرات ومروجيها، ومرتكبي الجرائم على المال العام، ومرتكبي جرائم العنف الأسري ,,, وينام المجلس إياه نومة أهل الكهف على مشروع قانون استقلالية القضاء، لأن المطلوب ملء السجون وصفر محاكمات وصفر عدالة. موقفه هو الوجه الآخر من الميدالية التي حملت على وجهها الأول مشهد ضب التشكيلات القضائية في الأدراج!
هذا المجلس وهو الامتداد لكل المجالس منذ العام ال92 هو الذي بصم على كل الموازنات التي تضمنت تشريعاً للفساد في القانون. موازنات بلغت ما بين العام 1993 والعام 2019 260 مليار دولار، ولم تتم في أي يوم أي محاسبة أو مساءلة أو مناقشة قطع حساب وهو أمر غائب تعسفاً، والنتيجة التي وصل إليها البلد معروفة ليس فقط في الكهرباء بل في كل شيء. وهو مجلس لم يسأل يوماً عن ميزانيات بمئات المليارات انفقها مجلس الانماء والإعمار من خارج الموازنة، وكان الجهة المخططة والمنفذة والمراقبة في آنٍ معاً! وهو الجهة التي لم تعقد ولو جلسة طارئة واحدة للبحث في تمادي الجريمة على المال العام في الكهرباء التي رتبت نحو 48 ملياراً من الديون على البلد! وهو الجهة التي طيلة 27 سنة لم تطرح سؤالأً على “أمين” بيت المال رياض سلامة الذراع اليمنى لمنظومة الفساد!
ولأن هذه هي الصفات معروفة من عامة الناس للمجالس النيابية، التي فرضتها قوانين انتخابية جائرة، فإنه التوقيت المناسب للانصراف إلى بحث قانون جديد للانتخابات النيابية، كهرطقة طرح لبنان دائرة واحدة، وهذا جوهر ما كان هدف اجتماع اللجان النيابية، أو كذلك الاستعانة بأفكار أصحاب”النوايا الحسنة”، الذين تنبهوا إلى أهمية التوقيت، فأطلقوا من قصر العدل الدعوة لانتخابات خارج القيد الطائفي ومجلس شيوخ! مع قفزة في الهواء فوق المادة 95 من الدستور، وبتجاهل كلي لتغول الدويلة وسلاحها وأخذ البلد قسراً إلى المخططات الموكل لها تنفيذها، في مسعى المبادرين النبيل إلى “استرداد الدولة”، والمطلوب شرخ حول القانون للسير بشكلٍ منهجي مخطط على طريق نسف الانتخابات النيابية في العام 2022 تمهيداً للتمديد لمجلس العام 2018 المزور للإرادة الشعبية!
“التدقيق الجنائي” سيبقى مطلب اللبنانيين وهو لم يكن يوماً مطلب أي جهة من أهل السلطة الذين ناوروا به من أجل مكاسب معينة، لكن تفاقم صراعاتهم وانعقاد المجلس المتوقع اليوم للبحث في رسالة الرئيس سيفتح الباب ويسلط الضوء، وستبقى القضية على النار رغم أنها ستحال إلى اللجان. طبعا سيكون متاح هناك أن تأخذ كل الوقت، لأنه كما سبق أن أكدت هذه اليومية، هم أذكى من أن يطلقوا النار على أقدامهم، لكن الضغط الشعبي وحده الكفيل بمنعهم من طي هذه الصفحة التي يعول على نتائجها للمساءلة والمحاسبة واسترداد الممكن من الأموال المنهوبة.
وإلى أولوية “التدقيق الجنائي”، تبقى كألوية قصوى قضية التحقيق في جريمة الرابع من آب، ولن يتعب أهل الضحايا وكل المتضررين، ولن يُسامح كل من تسببب بهذه المأساة. الوقفات اليومية تتواصل ومعها الاصرار على تحقيق العدالة، ولن تمر محاولات رمي تبعة الجريمة على إهمال هنا أو خطأ إداري هناك. ما حصل جريمة أرهابية مكتملة الأركان ولا تراجع عن المطالبة بلجنة تحقيق دولية. كلهم يريدون التغطية لمنع محاسبة الرؤوس الكبيرة، وخطوة قاضي التحقيق العدلي بمخاطبة المجلس النيابي لملاحقة الوزراء والنواب أمام المحكمة الخاصة لا تنطلي على أحد! المحاكم الخاصة التي ألغيت في البلدان المتطورة ما وجدت في بلدان العالم الثالث كلبنان إلاّ لمحاصرة القضاء ومنع تحقيق العدالة، ومحاولة الجهة القضائية الايهام أنها قامت بدورها لن تمر، والحساب آتٍ آت، مهما تأخر الوقت..
لا أولوية اليوم أمام اللبنانيين على أولويتي الوصول بالتحقيق في جريمة الحرب حتى النهاية، وعدم السماح بطي صفحة “التحقيق الجنائي” بكل مؤسسات الدولة، لأن في ذلك لبنة أساسية على طريق الاسترداد الحقيقي للدولة المخطوفة بالفساد والسلاح!