حنا صالح – هل دخل البلد في المحظور مع ارتفاع عدد الاصابات بالكورونا عن الف إصابة أمس، واقتراب حالات الوفاة من ال300، وازدياد المخاوف من عدم قدرة قطاع الاستشفاء على مواجهة الوضع مع الاقتراب بسرعة من بلوغ طاقته الاستيعابية الذروة.. حكومة الدمى لا تظهر أي قدر من المسؤولية، فقد كانت منهمكة في إنجاز فيلم وثائقي عن “تحديات الحكومة” وعن إنجازات ” لم يقدرها الناس”!
ولا يبدو في جعبة وزير الفوتوشوب إلاّ خطوات تتخذ شكل العقوبة كجعل الاقفال هراوة، مع أنه قد يكون ضرورة، لكن هناك الكثير من الاجراءات التي لا يتم الالتفات إليها وخصوصا ما هو متعلق بالمستشفيات وتحضيرها لوضع دراماتيكي يقرع الأبواب! ويزداد إنكشاف أداء الموسسات العامة وغياب السلطة عن الحد الأدنى من واجباتها، فبعد 47 يوماً على جريمة الرابع من آب ما زال هناك 9 أشخاص تحت أنقاض المرفأ وأنقاض البيوت التي تهدمت على الناس، ويترك للتشريد أكثر من 300 ألف فقدوا السقف الذي يحميهم، ويعيش لبنان صدمة مأساة “عبارة الموت” التي تساقط منها مواطنون وهم يفرون باتجاه قبرص بعدما نبذتهم دولتهم وحاصرتهم بالحرمان واليأس، فحاولوا الفرار من حصار العوز والجوع والمذلة فكان الموت بانتظارهم! وحتى اللحظة ما زالت بعض الجثث مجهولة المصير!
واللافت أن بعض المشاركين الذين كتبت لهم الحياة قالوا انهم سيكررون المحاولة فالموت في البحر أرحم من مذلة موت بطيء يخطف حياة الناس تباعاً، مرة بالمرض وأخرى بالمجاعة!
2- اليوم أول الخريف وقد حولت منظومة الفساد أيام اللبنانيين إلى خريف مقيم. الانهيار يتسع والبلد ذاهب إلى التلاشي وأصحاب الحل والربط الذين نهبوا وأثروا وتجبروا في مكانٍ آخر. اللبنانيون يئنون من حياة المذلة، ومافيا الحكم تضيع فرصة يتيمة لفرملة الانهيار. هناك أكثرية واضحة، بعضها مكره، ترى لا مفر من تطبيق الدستور والعمل بموجبه بتقديم تشكيلة حكومية، فيما ثنائي حزب الله وحركة أمل ملتزم الأجندة الخارجية التي وضعها ملالي إيران، ولحمتها وسداها عدم الافراج عن الورقة اللبنانية بانتظار حلول وقت وضعها على الطاولة في أي مفاوضات مرتقبة بعد الانتخابات الأميركية! هذا الأمر تدركه باريس التي لم تتمكن من تليين موقف طهران، ولم تكن هناك حاجة لمعرفته من خلال للقاء الذي جمع ميشال عون ومحمد رعد، الذي أبلغه أن الكلام انتهى، والأمر نهائي لجهة التمسك بوزارة المال وبدعة التوقيع الثالث وتثبيت هرطقة تفسح في المجال أمام انقلاب على الدستور.. وهكذا يضع الثنائي البلد على حافة موت بطيء، وآخر همومه حاضر اللبنانيين ومستقبلهم! فالكل يدرك أنه بدون تشكيل حكومة مهمة غير تابعة لمنظومة الفساد، ستتلاحق الكوارث على صعد: الغذاء والدواء والمحروقات والكهرباء.. وستدخل البلاد في فوضى مخيفة!
2-الاعتذار عن تقديم تشكيلة حكومية سيكون من أبشع الخيارات، فحول عنوان الانقاذ هناك التفاف حقيقي، وثابت أن حكومة مستقلة من أشخاص مؤهلين خبرة ومصداقية، ومع مداورة كاملة هو أكثر من ضرورة لبدء مواجهة الفساد.. والرضوخ لمحاولات تثبيت الفراغ لعبة كارثية، خصوصاً بعدما انكشف زيف الترويج والضخ الاعلامي الكثيف لجهة إلصاق بعض المواقف بالفرنسيين، فإن أي قبول تحت أي ضغط بمحاولة “استملاك” وزارة المال سيعني البقاء في نفس الدوامة!3-ستؤثر المعطيات الخارجية على الوضع اللبناني، خصوصاً تلك المتعلقة بحزب الله وما يقال عن أدوار موكلة إليه في اوروبا. فبعد 8 سنوات على التفجير في مطار بورغاس البلغاري قد تصدر اليوم أحكام على عنصرين من حزب الله بالمسؤولية.. والجديد ما أذيع عن استخدام نيترات الأمنيوم في عملية التفجير! وتتالى عملية الربط بين حزب الله والأمنيوم، من الأرجنتين عام 1994 إلى بلغاريا وتايلند ونيويورك وجنوب ألمانيا وبلجيكا وقبرص وسواها..فهل هذا الأمر هو ما يفسر الضغوط لمنع طلب لجنة تحقيق دولية في جريمة الحرب المرتكبة في الرابع من آب؟ وهل هو ما يفسر استمرار السقف المنخفض للتحقيق والمراوحة التي يدور فيها؟ وهل هناك في مافيا الحكم من يعتقد أنه يمكن دفن الحقيقة بهذه السهولة!4-على مشارف حلول الذكرى السنوية الأولى لثورة تشرين، ينزلق لبنان أكثر فأكثر نحو الفوضى نتيجة الجوع والجائحة وطغيان متراكم. الثابت أن قوى الشارع اللبناني على اختلاف مشاربها تعاملت إيجاباً مع مشروع تسوية مركبة أرادها الرئيس الفرنسي، انطلاقاً من قناعة أن ما طرح من صيغة للحكومة الممنوعة حتى الآن، من شأنه أن يدخل تعديلات هامة على طريقة الادارة، ويقدم تجربة جديدة تقوم على إبعاد قوى منظومة الفساد، وفي الخلفية إدراك باريس أن تضارب مصالح المافيا اللبنانية جعل البلد أشبه بمزرعة عصية على الادارة..وقد انطلق الجانب الفرنسي من قناعة موضوعية أن الجميع بحاجة إليه. طبعاً هناك بالتأكيد مصلحة فرنسية، لكن لا ينبغي الخطأ بالحساب فلا يمكن العودة إلى زمن الانتداب ، أي انتداب، غير أن الاصرار من جانب طهران على بقاء لبنان مجرد ساحة لها، قليلة التكلفة عليها، والذريعة أن واشنطن ماضية في فرض العقوبات.. كل ذلك يؤكد على حقيقة أن مهمة الانقاذ هي في مكان آخر، وبالتحديد بين أيدي صناع 17 تشرين، المطالبين باستنباط الوسائل وبلورة الأسس والطرق المفضية لفرض تعديل كامل على المشهد اللبناني.