حنا صالح – كل ساعة تمر على بقاء الحكومة – الواجهة في السراي يتكبد لبنان وكل المواطنين خسائر كبيرة على كل المستويات. الجوع إلى اتساع والعزلة تعمق الانهيار، لكن وفق حسابات حزب الله المشغل الأساسي لحكومة الدمى، فهي باقية باقية لأنها جزء من عدته للشغل في مواجهة “قيصر” والعقوبات الأميركية! ولا يدخل في أولويات حارة حريك أولويات الناس المفترض أن الحكومة تمثل مصالحهم!يتسع اليأس، ويتكرر مشهد الوجوم على الوجوه، ويتسع الزهول الذي أصاب الناس وقد أرهقهم العوز. لبنان بات بلداً جائعاً يتسارع فيه إيقاع هبوط أهله إلى ما دون خط الفقر والأمر لا يستوقف من بيدهم القرار والامكانية.
معروف أن الفباء مهام أي سلطة تكون في صيانة مصالح شعبها والدفاع عن حقوقه وكرامته، لهذا السبب يحاسب المواطن الحكومات عبر صندوقة الاقتراع ومن خلال الاحتجاجات والبرامج المغايرة، إلاّ في لبنان، والسبب أنه منذ انتهكت سيادة البلد قبل عقودٍ من الزمن، صار الخارج المهيمن وامتداده الداخلي، هو المرجع والمؤثر، وانتفى إلى حدٍ بعيد التأثير الداخلي خصوصاً مع تبلور مافيا متسلطة تقابلها شرزمة شعبية وغياب أدوات التأثير!إذن لا شيء في قاموس حزب الله يشير إلى أي قبول بالتغيير الحكومي ولا حتى مجرد التعديل ليس حباً بالمشط أو تقديراً له، بل إن المعيار الذي يعتمده حزب الله هو إلى الغطاء الذي توفره هذه الحكومة في المجابهة المفتوحة مع العقوبات، هناك أولوية الحفاظ على الدور المباشر.
صحيح أن تحرك النائب الفرزلي والمواقف التي أطلقها، بدت وكأنها خارطة طريق هندسها رئيس البرلمان لقلب الطاولة بوجه ما يعتبره هيمنة من القصر والصهر، ورسالة إلى حارة حريك لرفع دعمها، وإلاّ ستوجه أكثر أصابع الاتهام إلى حزب الله بوصفه الجهة المسؤولة عن تعمق الانهيار ووضع البلد أمام شتى التحركات التي يصعب ضبطها، فكان الجواب أن على الناقمين تجاوز الموضوع، فالحكومة ضمن المعطيات الراهنة باقية حتى الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني المقبل (بعد 5 أشهر)، وربما حتى تسلم االرئيس الجديد في النصف الثاني من كانون الثاني إذا فشل ترمب في الفوز بولاية ثانية لأن أميركا في ظلِّ الجائحة غير ما كانت عليه قبلها! هنا نفتح مزدوجين كي نشير أنه بات لرئي حكومة الدمى نشيداً خاصاً: يا ريس من بعد الله نحنا متكلين عليك!
يقولون أنه متعذر التوافق على إسم من سيصار إلى تكليفه مع فيتو القصر على الحريري، وأن جس نبض ميقاتي انتهى إلى الفشل ولا يعول على اللقاء التشاوري وأشباهه، ويقولون أنه ليس متاحاً بسهولة التوافق على تركيبة وزارية، فإذا أقيلت الحكومة ستبقى في تصريف الأعمال إلى ماشاء الله. الأمر الأكيد ان حزب الله مع وجود هذه الحكومة يتحمل كل ما يطرح عن مسؤوليته عن الانهيار واتساع الفقر، لكن التغيير سيضعه وجهاً لوجه أمام مطالبات واسعة بإبعاده عن مقاعد الحكم لأن السياسات التي دفع البلاد إليها هي ما فاقم الازمات والانهيار.. ويقولون أن الحزب بعد تطويع حاكم مصرف لبنان، وبالاستفادة من عودة المغتربين وأموالهم، والاستفادة من القرار بأن تكون التسهيلات للتجار عبر البنوك، توفرت الامكانيات لضبط مؤقت لسعر صرف الدولارلبضعة أشهر(..)، وبات على الحكومة المباشرة في البدء بإصلاح قطاع الكهرباء ولو على القياس، لأنه أبرز عناصر المديونية العامة والمسبب الرئيسي في العجز المتفاقم في ميزان المدفوعات..أي أن كل ما يجري ليس إلاّ شراء للوقت بانتظار الانتخابات الأميركية،
والرهان في طهران أن واشنطن بدون ترمب ستغيير من سياستها، وستعود إلى غضِّ النظر عن تداعيات العدوانية الإيرانية على المنطقة والعالم! وإذا ما فاز ترمب يكون الاحتفاظ بهذا الوضع مفيداً لطهران في صفقة لا بد آتية!إذا كانت الصورة على هذا المنوال، وإذا كان الجوع وحده لن يعيد الناس بقوة إلى الساحات، لا بل سيكون البلد تباعاً أمام ظاهرة تتالي الانتحار أو شتى الأعمال اليائسة.. مرة أخرى ما يعيد التهاب شعلة 17 تشرين هو الذهاب تنظيمياً الى الكتل البشرية، لصياغة المشهد الجديد وبلورة المشروع السياسي الوطني الذي يمكنه أن يجمع المتضررين وأصحاب المصلحة في التغيير. محاولات التنظيم الخجولة لم تعد مقنعة، أما العناوين التي رفعتها الثورة على أهميتها فليست كل البرنامج السياسي التغييري الذي ينبغي أن يكون!
لقد حاولت 17 تشرين، رغم كل المحركات المطلبية التي طغت في مرحلة تفجرها، أن تعيد صياغة وطن يليق باللبنانيين، يأوي المواطن العادي ويحفظ له كرامته، الذي كان علي الهق وأمثاله النموذج عنه، فحصل الاصطدام الحقيقي مع الدويلة التي انتفضت من جهة لحماية نظام المحاصصة وحراسة الفساد والتهريب، ومن الأخرى حماية لاستمرار الوضع الراهن الذي يغطي أجندتها الخارجية.. هذه المعادلة المستندة أيضاً إلى ما يعتبره حزب الله تقدم لمصلحته في الإقليم هي التحدي، ولا يمكن أن تواجه إلاّ بميزان قوى حقيقي تعبر عنه جبهة سياسية تعبر عن الهم العام بضرورة تحميل منطومة الفساد الثمن عن الانهيار والافقار، وتأخذ بالاعتبار أن الوضع في الإقليم ليس تماما كما يروج الحزب!