حنا صالح – العفو العام يحل اليوم نجم جلسة المجلس النيابي الفاقد للشرعية الشعبية. في زمن رفع فيه المواطن مطلب المساءلة ومحاسبة الفاسدين والناهبين هل يجوز لسلطة أياً كانت إصدار عفو عام عن محكومين أو متهمين بجرائم خطيرة تهدد أمن وسلامة واستقرار المواطنين؟
التسوية الطائفية المخزية التي تمت حياكة خيوطها بطريقة استنسابية وطائفية بحت، وتحكمت بها الحسابات الانتخابية لكل فريق طائفي مشارك فيها هدفت إلى ترميم بعض ما فقدته القوى الطائفية بعد 17 تشرين، وهدفت إلى الانتقام من الثورة ومن حق اللبنانيين بالعدل العام وليس بالعفو الطائفي العام!
ما حاكته القوى الطائفية المتسلطة والمتهمة بنهب البلد وإفلاسه وتجويع أهله وتركهم مكشوفين أما الجائحة المميتة، يعرض حياة عموم الناس لخطر أفدح، ويعيد البلد إلى وضع أسوأ بكثير مما هو فيه! مرة أخرى المواطن الذي تنتهك حقوقه كل يوم، يقف بمواجهة مجلس نيابي سُحبت منه الوكالة الشعبية، فمضى في نهج التحدي بالذهاب إلى إطلاق آلاف المجرمين من السجون، عوض رفع يد السياسة الغليظة عن القضاء، كي يقوم بدوره بفتح أبواب السجون لزج رموز النهب واللصوصية والافقار خلف القضبان!
“الحق العام” الذي أشار إليه المشروع يعود إلى الدولة وإلى الشعب اللبناني، ولا يمكن لأي سلطة أن تتنازل عنه لأنها لا تمتلكه، ولأنه ببساطة يحمل بذور خطر داهم محدق بسلامة واستقراركل المواطنين. صحيح هناك عدد غير محدد ممن انهوا محكوميتهم وما زالوا في السجون، لأنهم عجزوا عن القدرة على تسديد رسوم بسيطة، هؤلاء ما كان يجب بقاءهم وينبغي الافراج عنهم، والجهات التي طوعت كل القوانين خدمة لمصالحها، هي المسؤولة عن عدم البت القانوني لمصلحة هؤلاْ. أما الأخرين كل الآخرين حقهم ينبغي أن يحفظ بمحاكمة عادلة.
لكن الطائفيين المتسلطين الذين يشتغلون انتخابات نيابية، ويسعون لحشد الأصوات ولو تسبب ذلك في قتل ما بقي للبلد من روح، يسوقون مشروع العفو الطائفي العام : فارون إلى إسرائيل ( مسيحيون)، متهمون بالارهاب ( سنة)، تجار مخدرات ( شيعة)، وتشترك كل هذه الطوائف من خلال القيادات الطائفية في التوافق على إطلاق مرتكبي الجرائم على المال العام والاختلاسات، ومرتكبي جرائم العنف الأسري، ومرتكبي جرائم الاعتداء على البيئة والقائمة طويلة طول قذارتهم، والأخطر أن العفو الطائفي العام يشمل جرائم لم ترتكب بعد، اي أن كل مفرج عنه يمكن أن يرتكب جريمة بين ساعة الافراج عنه وموعد نشر قانون العفو في الجريدة الرسمية، والأمر قد يستغرق شهراً وبعض الشهر فهذا العفو يطاله! إنه زمن البدع والفتاوى! كل ذلك يعطي الدليل تلو الدليل عن حجم النكبة التي حلت باللبنانيين بمثل هذا التمثيل النيابي والحكومي، فهل صحيح أنه بعد ثورة تشرين سينسى الناس ويعودون كما كانوا لعقود خلت! لا بد أن الآتي قريب وبعد ثورة تشرين لن يكتب تاريخ البلد حفنة من المتهمين بالكبائر!
وفيما يتردد أن هناك قطبة مخفية قد تؤخر التوافق اليوم على قانون العفو الطائفي العام، سيكون مشروع قانون “الكابيتال كونترول” النجم الثاني على جدول الأعمال، ولا أحد خارج الدفاع عن مصالح الكارتل المصرفي والسعي الدؤوب إلى توفير الحماية القانونية له، طرح السؤال أين أصبح “الكابيتال”؟ وكيف يستمر احتجاز الودائع؟ ومن المسؤول عن تبديد الودائع والمقامرة بجني أعمار الناس وعرقهم ورزقهم الحلال!
وبالتزامن فاحت روائح المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وقد تبين أن حكومة الدمى والكتلة المصرفية لا هم لهم إلاّ تجنيب فئة ال1% الناهبة اي خسائر، بل توفير الحماية لها والاعداد لمشاريع تتيح لها تبيض أموالها عبر “صندوق التعافي” المشؤوم الذي يجري الإعداد له لسرقة أملاك الدولة! لكن والحق يقال تلك المفاوضات فضحت أداءهم والهزال الذي هم عليه، ولئن كانت الجهات الدولية غير مطالبة بأن تبدي أي حرص على بلد يقامر به وبمصالح شعبه حكامه والمتسلطين، فإن أحداً من المسؤولين الدوليين لم يكن يتوقع كل هذه الرداءة، فها هو ممثل أمين عام الأمم المتحدة يان كوبيتش المتابع للتفاصيل قال بالحرف ” أن الارقام المختلفة التي قدمتها الحكومة وارقام مصرف لبنان حول حجم الخسائر والمديونية، إضافة إلى عدم إحراز أي تقدم في التعيينات القضائية والتأخير في إصلاح الكهرباء وغيرها عوامل تضعف موقف لبنان في المناقشات مع صندوق النقد الدولي والبلد لا يمكن أن يتحمل أكثر”!
وبعد،
نعم هناك رهان كبير على 17 تشرين، ولا أوهام بل كثير من الأمل، بأن الصواب ينبغي أن يكون ابتداع أدوات تمكن مواطنينا من الدفاع عن مصالحم، ولا أوهام أبداً بأن الدعوة والعمل الدؤوب كفيلة بالنجاح فالصعوبات كامنة على كل مفرق ومحطة، لكن الخطر كل الخطر الاستسلام لوهم العجز وإقناع الذات بصلات ومحاورات واستشارات قد تحقق للبعض راحة نفسية لأنها تنطلق من مقولة ليس باليد حيلة .. لا بل إن كل من نزل إلى الشارع من أجل حق ومطلب وكرامة وليس من أجل السلفي، مدركٌ أن ثمن التراجع مخيف، ومقتنع وهو يرى الآن الفجور في هذا الاعتداء الكبير الذي يمثله مشروع قانون العفو الطائفي العام. أن الفباء المسؤولية تقتضي البدء بتعويض بعض ما فات، والبداية إلى خطوات بناء الوضع التنظيمي الذي من شأنه تزخيم أطر المواجهة وإمكاناتها ليكون ممكناً اختصار جلجلة اللبنانيين، رحمة الناس بالكف عن ادعاء أن جهة ما تقبض على جمر الحقيقة وأنها تقوم بصقل الوعي وتطويره! من ملأ ساحات الكرامة بأصوات الحق رسموا اللحظة التأسيسية للبنان آخر فلنأخذ علماً بذلك.
وكلن يعني كلن