حنا صالح – كل العيون على العراق، فهناك المفتاح لقراءة متأنية للوضع في المنطقة وفي كل ما عُرف باسم منطقة “الهلال الشيعي” وتالياً مآل الوضع في لبنان. أين بدأت التطورات اللافتة وكيف؟
مجيء الكاظمي رئيساً للحكومة في العراق، ليس حدثاً معزولاً، كان الخامنئي قد تذكر الصلح الشجاع بين الامام الحسن مع معاوية، بما أشّر إلى بدْ مرحلة تنازلات يصفها الخامنئي بالشجاعة، وكانت إدارة الرئيس ترمب قد قررت سحب بطاريات باتريوت من المنطقة وتخفيف وجودها العسكري لأنها اعتبرت أن إيران لم تعد تمثل خطراً استرتيجياً، وأن الرياح السورية ليست مؤاتية كثيراً لرغبات حكام طهران فالتصادم بالتوجهات واضح مع الروس والأجواء مفتوحة أمام الهراوة الصهيونية، ويبدو أن العقوبات الأميركية فعلت فعلها ثم كان اجتياح كورونا فتقدمت أعراض الوصول إلى “تفاهمات”، أساسها كما هو الظاهر الآن أن طهران بدأت نهج التراجع خارج حدودها أي في “الهلال الشيعي” [معنى التضحية ب”أرباح” كان تحققها تطلب عقوداً!
في هذه الظروف تبوأ الكاظمي الموقع الكبير والمؤثر في سياسة العراق، وشكل وصوله الدليل على أن طهران التي تغلغلت في الوضع العراقي بعد العام 2003(إطاحة حكم صدام حسين) لم تعد قادرة على الامساك بمفاصل القرار هناك، فكان وصول الشخصية الأقرب في السياسة إلى التعاون مع التحالف الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة، والذي لا يخفي رغبته السعي إلى تهميش دور فصائل الحشد الموالية لإيران، وسعيه إلى ترسيخ دور الجيش، وقد لفت الانتباه أن بين أولى القرارات كان قرار إعادة الفريق عبد الوهاب الساعدي إلى الخدمة وترقيته وتعيينه رئيساً لجهاز مكافحة الارهاب، وهو الجنرال العراقي الذي رفع المتظاهرون صوره في الساحات يوم أقالته حكومة عادل عبد المهدي بضغط مباشر من طهران، وهو أبرز القادة ضد الارهاب الداعشي وأبرز القادة الذين تصدوا لجرائم اغتيال المتظاهرين السلميين.
طويلة وصعبة ومعقدة مسيرة العراق، لكن رئيس الوزراء الجديد الذي التقى فوراً بعد الثقة السفيرين الأميركي والإيراني، كان واضحاً في تحديد معالم السياسة الجديدة التي سيتبعها العراق، والأمر الأكيد أن ثورة تشرين العراقية هزّت أساس تلك الهيمنة التي مارستها طهران على بلاد ما بين النهرين والتداعيات ستتلاحق. لكن من الآخر يستحيل توقع أن تنسحب بشكل أوتوماتيكي على الوضع اللبناني، هذا مع العلم أن ثورة تشرين اللبنانية فعلت فعلها. صحيح أن المحركات كانت كلها مطلبية واقتصادية وإصرارا على استعادة كرامات انتهكت من جانب طبقة فاسدة من السياسيين شكلوا أبشع مافيات اللصوصية، والأهم أن هذه الثورة عندما تمسكت بالشعار الأثير: كلن يعني كلن، لم ينجح أي طرف في البقاء فوق الغربال! فكان تلاقي مواطنين كيروا “محرمات” وأطاحوا “مقدسات” و”أصنام”.. وكما شكلت بيروت بوصلة الموقف وطرابلس عروس الثورة وجل الديب الزخم، فإن ساحة العلم في صور وساحة المطران في بعلبك وساحة النبطية كانت الساحات التي حرست الثورة ووفرت ضمانة لاستمراريتها.. وقد كان واضحاً من البداية أن تحقيق المطالب من المستحيلات إتمامه بدون الوصول إلى التغيير السياسي.
تحت وطأة الهواء النظيف تصدعت منظومة الفساد، ويتتالى اهتزازها القوي، وبعضها وبالأخص “الثنائي القائد” حزب الله والتيار العوني بمرجعبة الأول، ما زال يتحرك من خلف حكومة الواجهة للاستئثار أكثر فأكثر بالحكم، لكن الارتكابات تحاصره. على السطح الاتفاق مع”سوناطراك” الجزائرية الذي تضمن بنداً بأن يبقى اتفاقاً سريا(..)، وقد تم كشف سريته قبل أيام قليلة. وقعه الوزير محمد فنيش، الذي لفت الانتباه انفعاله على الصحفيين عندما اعتبر مجرد الأسئلة عن مضمونه تستبطن هجوما على “المقاومة”!! أدار هذا الاتفاق الفريق العوني منذ نهاية العام 2008، وكان يجدد كل 3 سنوات وأخر تجديد يحمل توقيع الوزير سيزار أبي خليل وتم في شهر أيلول 2017، ويقول عنه وئام وهاب أن ثمن استمراريته كان توزيع رشاوى سنوية تقدر بنحو 300 مليون دولار!! إذا كانت الرشاوى بالمليارات فكم بلغ حجم النهب؟ ومعروف أن السلطة اللبنانية كافأت أحد أبرز ابطال هذه الفضيحة بالجنسية اللبنانية وهو فريد بجاوي المسؤول لفترة طويلة عن الشركة الجزائرية والمطلوب دولياً بجرائم تبيض الأموال، هذا مع العلم أن الأجهزة اللبنانية قدمت بشأنه المعطيات التي تدينه!
لقد ابتلع نظام المحاصصة الطائفي البلد، الدستور معلق والقانون ينفذ باستنسابية خطيرة، والملفات الثقيلة أمام القضاء لن تصل إلى نتائج ملموسة، خصوصاً بعد امتناع السلطة مجتمعة عن نشر التشكيلات التي وضعها مجلس القضاء، ومسؤولية من جزأ المرسوم تعادل الممتنع عن التوقيع والنشر، ولا يغير في الأمر كثيراً اتساع التهريب للمازوت المدعوم والطحين المدعوم وتهريب الدولارات إلى النظامين السوري والايراني، وظهر بين المقبوض عليهم “صرافين” غير شرعيين من التابعية الايرانية! كما أنه على أهمية إبداء الآراء السديدة في خطة “التعافي”، فالنتيجة تبقى محدودة جدا، لأن مشكلة الخطة المذكورة ليست فقط في انحيازها المدمر مثلاً لمعيشة الناس أو أنها ستفاقم البؤس وتغطي النهب(..)، بل لأنها لم تتناول الأمر الأهم وهو خضوع كل مفاصل السلطة لدويلة حزب الله، وأن أحداً ممن اعتبروا الخطة “حدثاً تاريخياً” ما استوقفه قوافل تهريب ما يعادل ملايين الدولارات يومياً؟ عليه إن الأساس اليوم بات يفترض تقديم عنوان استعادة استقلال البلد ووقف انتهاكات الحدود، وإلاّ لن يتمكن لبنان من تلمس مسار للنهوض ما دامت السيادة مصادرة من قبل هذا المحور!
وعاد خطر الجائحة بعد ممارسات غير مسؤولة من جانب حكومة الأقنعة، من وزير الفوتوشوب ومن جانب النرجسي الأول الذي تباهى بالادعاء أن العالم يتمثل بالتجربة اللبنانية! بالأمس في فرنسا ناقشت الجمعية الوطنية تقريراً وضعه خبراء في الأوبئة يتضمن 32 مؤشراً كي تبدأ فرنسا التخفيف التدريجي للاقفال، وأقرت رفع مستوى الفحوصات إلى 100 ألف يوميا، وحددت متى يعود التشدد. ترى العباقرة الذين برقبتهم المسؤولية عن استقدام الوباء ماذا فعلوا؟ حتى اللحظة امتنعوا تعسفاً عن زيادة الفحوصات التي لا يجب أن تقل يومياً عن 5 آلاف فحص، وامتنعوا عن الأخذ برأي أطباء خبراء، وشكلت المرحلة الثانية من إعادة المعتربين كارثة غير مسبوقة: طائرات ممتلئة وفيها مصابين، وأطل حوت الميدل ايست يكلام بذيء ليغطي جانباً أساسياً من المسؤولية عن الكارثة، وقد كشف جنبلاط أن بعض الشهادات الصحية لمن صعد إلى طائرات العودة كانت مزورة، ما يكشف جانباً من حجم التردي عند بعض الجهات المسؤولة في الوزارة المعنية، ثم استمرت سياسة الارشاد وليس فرض الحجر الاجباري على العائدين، وترافق كل ذلك مع خطوات لتخفيف إجراءات التعبئة لم تخضع لأي معيار علمي! البلد أمام حكومة خطرة وأمام تسلط كارثي يهدد حياة كل اللبنانيين!
مرة أخرى إخراج البلد من عنق الزجاجة يمر حتماً في السعي لإسقاط حكومة الدمى، التي ارتاح رئيسها لإقامته في السراي “دارته” على حد وصف أحد وزرائه. ومرة أخرى لا أولوية تتقدم على تنظيم الوضع على الأرض، ولا أولوية تتقدم على بلورة التحالفات الجدية، والسؤال عن دور مرتجى من “لقاء تشرين” وبرنامج المرحلة الانتقالية، وحتمية الانتقال إلى مرحلة تتيح تقديم ممثلين عن الثورة، وصولاً إلى فرض حكومة مستقلة عن الجهات التي أوصلت البلد إلى الانهيار، يكون بمقدورها بدء مسيرة التعافي الحقيقي.. كثيرة التحديات فليكن اتفاق على نقطة الانطلاق.
وكلن يعني كلن