حنا صالح – لسنا كبلد وشعب جزيرة معزولة، وما يجري في المحيط العربي القريب سيترك بصماته القوية على الوضع في لبنان. ثورة تشرين كجزء من الموجة الثورية الثانية التي عرفتها المنطقة، محورها وميزتها سلميتها التي تمكنت من الحفاظ عليها، وقد كسر ناسها، وهم أكثرية لبنانية موصوفة، ما كان يُعدُّ من المحرمات والثوابت التي أسبغت عليها القوى الطائفية المتحكمة هالة من القدسية كتبرير للانقسامات.. هذه الثورة تلقت جرعة دعم استثنائية من توأمها ثورة تشرين في العراق.
جرعة الدعم حملتها القرارات الهامة التي اتخذتها الحكومة الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، وصدرت قبل منتصف الليل بقليل، ومحورها استعادة ثقة العراقيين وليس ملالي طهران. قرارات لا تصب في طاحونة الأحزاب التي منحتها الثقة، بل تنسجم مع الدور المأمول منها كحكومة تمثل أبناء العراق وبناته، ومنها:
– إطلاق سراح الموقوفين من المتظاهرين بالتنسيق مع القضاء إلاّ من ثبت تورطهم بالدم العراقي.
– عدم التساهل مع جرائم الخطف وملاحقة مرتكبيها وتقديمهم إلى العدالة.
– حماية المتظاهرين السلميين ومنع العنف بكل أشكاله.
– تشكيل لجنة تقصي الحقائق في كل الأحداث التي حصلت منذ الأول من تشرين أول 2019 ومحاسبة المقصرين بالدم العراقي وتعويض أسر الشهداء.
– تشكيل لجنة خبراء للبحث في تذليل العقبات أمام انتخابات نيابية مبكرة.
وتوجه الكاظمي إلى “المتقاعدين أهلي وناسي الذين أفنوا أعمارهم في خدمة البلد” ليعلن أن حكومته “لن تسمح بأن ينام عراقي ليلة مُضاماً”.
الثقة كي تكتسب، ممرها الالزامي احترام الدستور وتطبيق القوانين وهي موجودة، وممرها الالزامي التزام الحقوق واحترام الحريات، والثقة تفترض وجود ساسة مستقلين يعرفون البلد وقدرات أبنائه وتطلعاتهم، والثقة تمر حتماً بالعمل الجاد والقرارات المسؤولة وليس بالكلام المعسول أو الخطب حمالة الأوجه على جاري خطب البروفيسور، الذي أمضت حكومته 100 يوم ولم تتخذ أي مبادرة أو خطوة توحي أن هناك حكومة تقوم بالحد الأدنى من المسؤولية حيال المواطنين، وهي مسؤولية أناطها الدستور بالسلطة التنفيذية. لا بل كل أولوياتها إعادة ترميم نظام المحاصصة الطائفي، رغم أن البلد يمر في زمن الانهيار الذي سبق الجائحة ثم التداعيات التي لا يمكن بعد إدراك حجمها، إلى تنفيذ أجندة أولياء أمرها في إعادة تزخيم الآليات الطائفية للحد من اندفاعة وعي مدني آخذ في التبلور!
بعد 100 يوم، كل ما بدر عن حكومة الواجهة كان استسهال الذهاب في المنحى الأمني، وكانت المجاهرة في تحريض القضاء على إبقاء الموقوفين من المتظاهرين السلميين قيد الحجز أطول وقت ممكن، وكانت التخلي عن تحمل المسؤولية حيال الممارسات القمعية التي تعرض لها الكثير من ثوار تشرين وبعضهم فُقئت أعينهم بالرصاص المطاط!
بعد 100 يوم، أطلت الحكومة الواجهة بخطة وصفتها ب “التاريخية” وهي إلى التجرؤ على مد اليد على لقمة خبز الناس والاصرار على تدفيعهم ثمن نهب البلد وإفقاره، تجاهلت الأمر الأهم وهو خضوع مفاصل الدولة لسلطة الدويلة ومقتضيات مصالحها وتمويلها. لم يتوقف أهل “خطة التعافي” المزعوم أمام فيديوهات قوافل التهريب من لبنان إلى سوريا، وتأثير ذلك على الجهات الدولية المقرضة، فلم يتخذ من بين أيديهم القرار، أي إجراء لاقفال معابر تهريب المازوت المدعوم والطحين المدعوم إلى النظام السوري! وتالياً استنزاف المتبقي من الدولارات في مصرف لبنان والخزينة اللبنانية!
من نكد الدهر وسط كل هذا الانهيار أن يُنكب الشعب اللبناني بهذا النوع من متسلمي السلطة، تتوجه بطلب استدانة من صندوق النقد الدولي، وهي في أحضان دويلة حزب الله لا تتخذ اي إجراء يوقف مزاريب الهدر والفساد لأن في ذلك مساس بالاقتصاد الموازي للدويلة، وتتجاهل أن الدول الأساسية الأكثر تأثيراً في سياسات الصندوق وقرارته هي الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وقد صنفت حزب الله كمنظمة إرهابية! نهج يثير العجب! يكفي تشاوف وادعاء وصمت على أكبر منهبة طالت جنى أعمار الناس، كفى تضييع وقت من شأنه أن يضيع البلد فلقد عجزتم عن المباشرة بالفباء الاصلاح!
ما يجري في العراق جرعة دعم استثنائية. خلاص لبنان شبيه بخلاص العراق ويكون باستعادة الدولة واستعادة السيادة، كي تستعاد كل الامكانات التي تعود للبنانين، والتي توزعها حصصاً النظام الطائفي الذي أورث البلد الفقر والجوع والفساد والاستبداد. ومع التظاهرات التي ستجري اليوم في بغداد والناصرية والبصرة وميسان وغيرها وغيرها.. أمام ثورة تشرين النموذج والمثال على أهمية التمسك بسلمية الثورة ورفض كل الانزلاقات والعودة القوية للشعار الذي جمع المواطنين: كلن يعني كلن، ومعه بلورة مطالب المرحلة الانتقالية، بلورة أشكالٍ جديدة من التحرك الضاغط وعنوانه إسقاط حكومة الدمى ولتتحمل مباشرة الأطراف الطائفية المسؤولية عما آل إليه الوضع، على أن يؤخذ بالاعتبار خطر اتساع الوباء رغم كل الاجراءات الوقائية التي يتبعها الناس!
منذ 21 شباط حتى تاريخه لم تجري السلطات المعنية إلا نسبة محدودة من الفحوصات لم تتجاوز بعد ال60 الفاً في حين أن دولة مثل الامارات أجرت حتى الآن مليون و300 ألف فحص! وفي كل بلدان العالم يتم على أعلى مستوى وضع المعايير الدقيقة لإعادة فتح قطاعات وتنشيط بعض الأعمال، إلا في بلد الأرز حيث تتالى الاجتهادات والارتجال ولا يؤخذ بالاعتبار رأي أهل الاختصاص بضرورة تكثيف الفحوصات اليومية إلى ما فوق 5 آلاف يومياً لأن التهديد يطال حياة كل المواطنين!
وهزلت! من خبّر صاحب مقولة “يا قوم”! أنه “المنقذ”! الناس تعرف وتدرك أبعاد ما يجري من محاولات التفاف على الثورة، والأدوات التي يجري الترويج لها، وبالمناسبة شعار كلن يعني كلن يشملك أيضاً يا حج بهاء ولا يقتصر على سعد ومعه كل الطبقة السياسية مجتمعة وهي المسؤولة عن المجاعة التي باتت تملاء جغرافيا البلد.
وكلن يعني كلن