حنّا صالح – وحده 17 تشرين يوم مجيد في تاريخ لبنان، بقعة ضوء انتشرت وتتسع، وبداية وعي مختلف يتعمق كل يوم في اللغة والثقافة، ويتتالى سقوط المحرمات وكسر الانقسامات المناطقية والطائفية، ومعه أدرك آخر مواطن في أبعد منطقة نائية أن طريق ثورة تشرين ستفضي إلى التغيير السياسي وتستعاد الدولة وتحفظ الكرامات..غيرها وخصوصاً 7 و8 و9 أيار قبل 12 سنة كانت “انتصارات الهية”، أيام سقطت فيها ورقة التوت عن الهدف الحقيقي للسلاح، عندما ظهرت تلك الميليشيا بدون أي مكياج تقتل وتذل مواطنين وثقوا بدولتهم وأجهزتها، ودفعوا الضرائب مقابل مسؤولية الدولة عن حمايتهم، فتركوا إلى مصيرهم ولم يتخلوا. ومن الآخر لولا 7 أيار 2008 ما كان لبنان ليصل إلى 7أيار 2010!
حتى لا نُفهم خطأ، إن لبنان وكل مواطنيه في قلب الانهيار نتيجة كل السياسات التي اتبعت منذ نهاية الحرب الأهلية، ونتيجة ممارسات اشتركت بها كل أطراف الطبقة السياسية، ولم يكن الأمر يومً نتيجة خطأ في الحساب، بل إن كل الحكومات طيلة 3 عقود ومن خلفها كل الطبقة السياسية، هم المسؤولون عن النهب والافلاس والتجويع. وكم هي بائسة محاولات حكومة الأقنعة ومن يحركها من الخلف، تصوير الوضع أن الافلاس يقع على عاتق الفريق المبعد عن جنة الحكم، وأن الانقاذ هو هاجس الفريق الآخر الممسك بأسنانه ودويلته بكل مفاصل القرار!
شوف يا حبيبي، الإنهيار كان النتيجة الحتمية، لكن النهج الذي اتبع منذ نهاية حرب تموز ما عجل بالمأساة. احتلال وسط بيروت أفلس مئات المؤسسات، وغزوة 7 أيار قضمت الدستور وفرضت أعراف التعطيل في الدوحة الانقلابية، فعاش لبنان 30 شهراً مع الفراغ في سدة الرئاسة حتى فرض مرشح حزب الله رئيساً، وعرف البلد أكثر من ألف يوم دون وجود حكومة، وكان نهج الارتهان للممانعة وعزلة البلد المتأتية عنه وتتالت الافلاسات والبطالة التي لم تستوقف جالساً في كرسي الحكم الوثير! لكن للانصاف استمرت في كل هذه الأوقات سياسة الصفقات والمحاصصة الطائفية تتناسل وتنهش الأخر واليابس، ويحكم البلد وفق قانون الصفقة وليس الدستور. وتكشف هذه الأيام فضيحة النفط المغشوش التي أدت أمس إلى مذكرتي توقيف بحق مدير النفط أورور فغالي وخديجة نور الدين رئيسة المختبرات، (وهنا لا تظن أي جهة أنها في زمن تشرين قادرة على حصر المسؤولية بالصغار)، تكشف بدقة أنهم عرفوا كيف يفرغوا الاتفاق النفطي الموقع مع الجزائر من مضمونه، بالتعاون مع مافيا “سونطراك” الذين أخذوا العمولات الكبيرة، وبدأت المنهبة المشتركة بين الكارتل السياسي المصرفي والبنكي، وبدأت تقفز أرقام المديونية، وطيلة هذه المرحلة كان الفريق العوني هو الجهة الممسكة حتى تاريخه بوزارة الطاقة. وفيول وكهرباء وبواخر تركية وسياسة السدود الكارثية!
يروي وزير المال الأسبق د الياس سابا أنه حاول ونجح مرة واحدة بشراء الفيول مباشرة فكان الوفر المحقق 10 دولار في الطن الواحد، لكن العملية لم تستمر بعد استنفار وزراء( أحدهم مصرفي معروف) وقالوا بالفم الملآن إن ضجة تجار النفط كبيرة وأن البنوك أقرضتهم الفلوس وأن الحمايات السياسية منزعجة، فعادت حليمة، ولأن هذه المافيا متكاتفة كان طلب وتجنيس أحد مدراء “سوناطراك” رغم وجود مذكرات التوقيف الدولية بحقه بجرائم اختلاسٍ وتبيض الأموال!
هذا الصباح وقد سجلت بورصة “النيدو” 80 ألف ليرة، وأتحف البروفيسور المواطنين عندما أعلن في اجتماع مجلس الوزراء “أن الدولة مسؤولة عن حماية الأمن الغذائي” ووعد بخطة سريعة، وقد يسفر عنها تشكيل لجنة(..) وحديث الخطط يعيد تسليط الاهتمام على “خطة الخلاص” التي بمقابل الضرائب التي ستدمر الباقي من إمكانية عيش المواطنين، امتلأت بالتمنيات وكلها رهانات على موارد افتراضية وكأن العالم واقف بالنصف وعلى “إجر ونصف”، لتلبية الطلبات ولا يعاني من حجم الاقفال والتعطيل شبه الشامل والتراجع الذي أصاب كل اقتصادات العالم.. وتتوالى محاولات البعض وخصوصاً حزب الله ذر الرماد في العيون بالحديث عن شروط ورؤية وخطوط إلخ. يا حبيبي التعامل مع صندوق النقد سيكون وفق الMENU المعلنة وهناك ما في طلبات A LA CARTE لأن هذا المصرف الدولي أولويته فرض ضمانات القدرة على التسديد من خلال إجرات تقشف شديدة وإصلاحات جدية. بمعنى أنك أيها العبقري لن تتمكن من تكرار منهبة الودائع ثم تتنكر عن مسؤوليتك عن هذه الأموال التي تم تبديدها، وتذهب بوقاحة لفرض اقتطاعات من تعب الناس وحقوقهم، فقط لأنك تملك القرار ولا تملك الرؤية ولا الهم الحقيقي لانقاذ البلد! لأنه من نكد الدهر أن البلد في زمن الانهيار الكارثي يضربه أسوأ أداء سياسي!
نفتح مزدوجين كي نشير إلى أن اجتماع بعبدا حصد فشلين سياسيا ومالياً، وغياب سليمان فرنجية عن اجتماع 8أذار الذي ترأسه رئيس الجمهورية عوّضه حضور د جعجع الذي بدا وكأنه عومل ببعض الاهمال أو غير المرغوب بوجوده، مع أن حضوره بالحصيلة وجه رسالة مفادها أن أولويته الحرص على مقام الرئاسة الماروني(..)أما الانشاء من أن اللحظة تفترض من الجميع تحمل المسؤولية، فالأمر ليس إلاّ ذريعة واهية لتبرير تلبية الدعوة.. إن الجهات التي لم تتخذ أي تدبير يعطي إشارة عن نية باستعادة حقوق الدولة، وتمر تحت أنفها دون ساكن، القوافل اليومية التي تهرب الفيول المدعوم إلى سوريا ما يعني استمرار استنزاف المتبقي من الدولارات في المصرف المركزي، وجاءت المواقف التي أطلقها سعد الحريري لترسم بعض ملامح التعقيد وتفاقم الخلافات بين أطراف طبقة سياسية يوحدها العداء لمصالح الناس وحقوقهم وللثورة أمل البلد الحقيقي باستعادة توازنه!
ومع تفاقم الوضع، لا تتوقف حملة الاستدعاءات والسعي إلى كم الأفواه وتقييد الحريات. بعد المواقف التي أطلقها المجلس الوطني للاعلام، جاء استدعاء الصحافي أيمن شروف الكاتب في “المدن” نموذجاً عن هذا المنحى الخطير، وهو يترافق مع عدة توقيفات بينها من لم يرهبه محتل صهيوني فقاتله وطارده دفاعاً عن الأرض والشعب عنيت محمود مروة ووضاح غنوي، حيث فجّر توقيفهما احتجاجات كبيرة، وتطالب الثورة بوضع حدٍ لهذا المنحى الذي لا يفعل إلا تعميق الجراح. مطلب الشارع والساحات الآن وبإلحاح هو أن تبلور الثورة برنامجها المرحلي، مع ما يقتضيه من مبادرات تنسيق جادة مترافقة مع ضرورة الارتقاء بالتنظيم لأن الحمل كبير ويتطلب استنباط كل الآليات التي تطلق طاقات القوة لدى المواطنين فلا تكون انزلاقات ولا تكون معارك هامشية بل التركيز على الموقع الصحيح.
يبقى الخطر الصحي فحجم إصابات الأمس ب كورونا يجب أن يطلق صافرة الانذار ربما لإعادة النظر ببعض ما هو معتمد والاستماع أكثر للإختصاصيين والأطباء.
وكلن يعني كلن.