في 21 نيسان الماضي، كان الوضع قد بدأ يتفجر، ويتراجع بشكلٍ دراماتيكي تصنيف لبنان الائتماني ، والبوادر أن الأزمة التي تطل برأسها مغايرة لكل ما مرّ على البلد، قال الرئيس عون في حديثٍ موجه إلى رئيس الحكومة الحريري: من ليس لديه الخبرة لإنهاء الأزمة “يطلع عبعبدا مننهيلو ياها”!
الانهيار تسارع بعد ذلك فكانت 17 تشرين التي نجحت بالتصويب الفوري على الجهة المسؤولة، فوجه ملايين اللبنانيين أصابع الاتهام إلى التحالف الحاكم الذي انكشفت مسؤولية جميع أطرافه عن نهب البلد وإفقاره وتجويع أهله. طارت حكومة “استعادة الثقة” واستنسخ الفريق الممسك بقرار البلد، حزب الله والقصر والتيار العوني شراكة مع رئيس مجلس النواب، حكومة أقنعة سياسية، برئاسة البروفيسور دياب لإيهام الناس أن هناك استجابة لمطالب الثورة!
المئة يوم الأولى من عمر الحكومة شارفت على النهاية، والحكم استقر بين أيدي الفريق الممانع والنتيجة تسارع في وتائر الانهيار، وانكشاف عجز أصحاب القرار عن تقديم أي فكرة أو رؤية تساهم أقله في فرملة الوضع المتفجر، وهكذا بدت الصورة:
- انهيار في سعر صرف الليرة مع ملامسة الدولار سعر 4 آلاف ليرة، بعدما كان قد سجّل 3200 ليرة في اليوم الذي سبق ! فتجاوز الانهيار في قيمة الليرة نسبة ال250%، وتراجعت القيمة الفعلية لكل المداخيل بالليرة نحو 62%! وبوضوح ما من سقف لارتفاع الدولار وما من قعر لهوة السقوط المالي وتردي حياة اللبنانيين!
- الانهيار تلا جلسة نيابية شهدت بعد الانهيارات المتعددة: مالية واقتصادية واجتماعية إنهياراً أخلاقياً من المتسلطين على البلاد، ف”نجحت” في تشريع زراعة الحشيشة، وفشلت للمرة الثالثة على التوالي في إصدار عفو عام عن تجار المخدرات ومرتكبي الجرائم على المال العام والبيئة والعنف الأسري.. وتجاهلت كلية المسؤولية عن هموم البلد والناس مثل استعادة الأموال المنهوبة والمهربة واستقلالية القضاء، لكنها أقرت ببقاء صور الزعماء في الشوارع !! وتجاهلت التواطؤ الحكومي والرسمي على صحة الناس( عدم القيام بحملة فحوص جدية لا تقل عن 5 آلاف يومياً لحصر الوباء) وتجاهلت تأثيرات خريطة الجوع التي امتدت إلى كل أنحاء البلد!
- وبعد نحو من 100 يوم لم تقدم حكومة الأقنعة أي رؤية عملية للانقاذ، لا بل تدور حول مقترحات لحمتها وسداها، تغطية المسؤولية عن النهب والهدر وكل الموبقات وحماية الكارتل المصرفي – السياسي، وتحميل عامة المواطنين ثمن الانهيار! والدليل الاضافي أن السراي ستشهد هذا النهار، وقبل جلسة مجلس الوزراء وضع لمسات على ما وصف بأنه الورقة الاقتصادية، وفيها كل أشكال الضرائب على مواطنين توقفت رواتبهم ونهبت مدخراتهم وشركات أفلست، وبينها رفع ضريبة القيمة المضافة وتثبيت سعر البنزين على 25 ألف ليرة، ورفع الضريبة على الأجور فوق المليون ليرة من 10 إلى 20 % وزيادة المحسومات التقاعدية ورفع الضريبة على الشركات.. مع تجاهل كامل للكارثة المتأتية عن الكهرباء وتجاهل كامل أن الفقر بات يطال أكثر من 55% من اللبنانيين!
وصدر أمر عمليات بتقديم ” كبش فداء” تلقي عليه الفئة المتحكمة المسؤولية عن أعمالها الشائنة، ورهان هؤلاء أن تنطلي الخدعة على الناس، وتالياً النجاح في حرف الثورة عن مسارها، فشهد البلد، بالتوازي مع تعمد مكاتب صيرفة بعينها إطلاق حملة مضاربة على الليرة ، وحجب الدولار لرفع قيمته بقوة، كل الضخ الاعلامي عن مسؤولية “أمين” المال، رياض سلامة الحاكم بأمر لوردات الحرب والمال الذي نفذ لهم الهندسات التي تموه السرقات والموبقات، وكلها سياسات رسمية أقرتها حكومات متعاقبة وجرى البصم عليها من المجالس النيابية، والكل كان شريكاً في المنهبة التي طالت ودائع الناس!
بالتوازي حرك حزب الله وامل بعض الواجهات في الشارع وسعى الحزب الى استغلال وجع فئات ثورية خرجت في عدة مناطق بوجه فلتان الأسعار والجوع وكل ذلك للتغطية على المسوءولية الفعلية التي تقع على حزب الله وفريقه عن كل هذا الانهيار . طبعًا مسؤولية رياض سلامة لا تناقش، ومثله جشع الكارتل المصرفي، لكن المسؤولية الأكبر تقع على أهل الحكم أصحاب القرار، الذين يعرفون أن استبدال سلامة ، والأمر غير مطروح للتنفيذ الآن لا يحل مشكلة، بقدر ما يظن بعض الحكم أنه مطروح لمساومة داخلية ومع الخارج بوهم أن هناك قدرة ما على توفير مصادر تغطية مالية لأجل معين(..)، لكن ذلك لا يغطي المشكلة المتعلقة بالطبقة الحاكمة نفسها، والخطوة اعتراف مدوٍ بالفشل، وأنه مع هذه السياسات العقيمة تنعدم السيطرة، وتطل سيناريوهات النهايات! فسقوط سلامة ينبغي أن يكون جزءأ من سقوط شبكة الفساد.
الأهم أن الثورة رغم أن الجوع عض بنابه عشرات ألوف الأسر ليست معنية بحفلة تصفية الحسابات هذه،
الثورة أمام محك خطير ، البطالة والجوع وخطر الوباء، ومعها الكثير من مؤشرات قد تقود إلى رفع السلطة من منسوب العنف بوجه الناس على ما شهدناه في البقاع ليلة أمس عندما تعرضت الاحتجاجات لقمع غير مسبوق وليس مبرراً. كل ذلك يملي الذهاب الفوري لبلورة أهداف قابلة للتحقق وأهداف مرحلية أبعد، أي الخطاب والبرنامج فهما سلاح التعبئة للمواطنين قوة الثورة بوجه فاشية لا تغطيها حكومة الأقنعة، على أن يكون ذلك مرتبطاً ببدء تكثيف الاحتجاج الميداني المتواصل وربما تكون البداية في موعد الأول من أيار.
وكلن يعني كلن