يترقب المسلمون عشية شهر رمضان من كل سنة التماس هلال الشهر الكريم. وكما هو معلوم عمومًا أن ما يعرف بيوم الشك، تكون الحيرة فيه بين يومين. إلا أن أمرًا غريبًا طرأ على أولياء أمور المذاهب الإسلامية، ليتحول يوم الشك إلى حيرة بين ثلاثة أيام. ففي هذا العام كان يومي الخميس والجمعة شك عند غالبية السُنة. والجمعة والسبت شك عند الشيعة (المرجع السيستاني). بينما يسقط يوم الشك عند المرجع الشيعي فضل الله لاعتماده الحساب الفلكي العلمي. وكذلك في تركيا ودول إسلامية عدة.
هذا الإختلاف بين المذاهب الإسلامية، جعل من مواقع التواصل الاجتماعي منصةً لتقاذف الإتهامات بالضلال بين المسلمين، تصل إلى حد التكفير أحيانًا. لتتحول بذلك هذه الظاهرة الفلكية إلى ظاهرة تصرفات كيدية، تجعل لكل منهم هلال خاص به
لا يوجد يوم شك!
يتميز العلامة المرجع محمد حسين فضل الله بالمقولة الشهيرة:”إذا تعارض الدين مع العلم فعلى الدين أن يراجع أوراقه”. من هذا المنطلق يؤكد عضو الهيئة الشرعية في مؤسسة العلامة فضل الله الشيخ حسين عبدالله على صحة إعتماد الحساب الفلكي في تحديد بداية الشهر، مشيرًا إلى أن المبنى الفقهي المعتمد لديهم مبني على العلم، ولا يوجد يوم شك في تحديد شهر رمضان.
وأشار إلى أن الصيام يجب على كل أهل الأرض عند رؤية الهلال من أي دولة كانت، منوهًا أن ثبوت الهلال بإمكانه أن يكون من دون رؤية الإنسان له، فالعلم بإمكانه تحديد ذلك بدقة.
وعلق عبدالله على الخلاف السنوي الحاصل بين عامة الناس في هذا الشأن معتبرًا أن هذا الخلاف لا داعي له، فالعمل الصالح مقبول في أي يوم كان. وأعرب عن احترامه لكل الإجتهادات وأن اختلافًا كهذا لا يفسد جوهر الدين. وأهل العلم لا يتصرفون بكيدية. داعيًا إلى إغتنام الفرصة في شهر رمضان للعمل الصالح فقط وليس العمل على بث الفتن وتأجيج الخلافات
لا يصحّ الإعتماد على الحساب الفلكي!
المسؤول الثقافي في جبل عامل الشيخ ربيع قبيسي وهو شيعي على المرجع السيستاني، يؤكد من جهته على احترام العلم، إلا أنه لا يصح الإعتماد على ولادة الهلال في تعيين بداية الشهر بل تجب الرؤية بالعين المجردة، وذلك استنادًا على أدلة شرعية لا يمكن تجاوزها بالذهاب نحو الرؤية الفلكية. مستشهدًا بحديث للإمام محمد الباقر:”إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فافطروا وليس هو بالرأي ولا بالتظني ولكن بالرؤية”.
يؤكد قبيسي أن لا كيديات في تحديد بداية شهر رمضان، والدليل أن في مرات عديدة تتوافق كل المذاهب الإسلامية على بداية الشهر. مشيرًا إلى أن هذا الإختلاف هو تنوع وغنى لا يضر بالأسس العامة والوحدة بين المسلمين. وما نشهده من مناكفات بين عامة الناس حول هذا الموضوع، لا أساس له عند أهل الحل والعقد.
وردًا على سؤال حول إمكانية توحيد بداية الشهر بين المذاهب، أبدي قبيسي رغبته في ذلك، إلا أن التشريع وأحكامه (على حد وصفه) لا يساعدان على أخذ قرار بهذا الموضوع. وأشار إلى أن الإمام المغيّب موسى الصدر حاول تقريب وجهات النظر، وقدم اقتراحًا لإنهاء هذه المشكلة، بتأسيس اجتماع يتم فيه الإستماع للشهود، وبالتالي التأكد من ثبوت الهلال وتوحيد المذاهب بهذا الشأن.
الحساب الفلكي لا يتعارض مع الحديث الشريف!
سُنّيًا، يبرز الإنقسام نفسه كما الشيعة. فدار الفتوى في لبنان تلتقي مع المرجع السيستاني حول آلية التماس الهلال من خلال الرؤية حصرًا رغم الإختلاف في تحديد اليوم. وهذه الآليه متبعة أيضًا في المملكة العربية السعودية والكثير من الدول الإسلامية، وذلك استنادًا للحديث النبوي الشريف “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته”. إلا أن تركيا والعديد من الدول الإسلامية تعتمد الحساب الفلكي لا الرؤية.
الإعلامي التركي حمزة تكين وهو أستاذ مختص في العلوم الشرعية، يؤكد أن الفتوى التي تجيز اعتماد الحساب الفلكي لا تتعارض مع الحديث الشريف، فالمقصود من الرؤية هي الرؤية المعنوية والمنطقية، والهدف هو إدراك الشهر، وهذا ما يوفره الحساب الفلكي بدقة.
وردًا على سؤال عما إذا كان للسياسة دور في تحديد الشهر، أشار تكين متأسفًا إلى أن ذلك حصل لمرات عدة من قبل الدول التي تعتمد على الرؤية البصرية، إلا أن تركيا لا يمكنها الدخول بهذه الكيديات لأنها أصلًا تكون قد حددت ذلك قبل عقود من خلال اعتمادها الحساب الفلكي. وأضاف تكين:” ليست دائمًا الخلافات السياسية موجودة، فمثلًا رغم الخلاف السياسي الحاصل بين المملكة السعودية وتركيا، إلا أن هذه السنة اجتمعت الدولتين على يوم الجمعة كأول أيام الشهر الفضيل وهذا يعني أن السعودية لم تلجأ للكيديات السياسية بهذا الشأن”.
وأكد تكين أن الإختلاف بين المذاهب الإسلامية يشتت القيمة المعنوية لرمضان، وأن يصل الإختلاف بين الدول لثلاث أيام فهذا ينسف جزء من معنى رمضان وهو وحدة الأمة. وأضاف إلى أن هناك مساعٍ جدية من قبل آلاف العلماء المسلمين حول العالم حول اعتماد آلية موحدة لتحديد بداية الأشهر القمرية ورمضان خصوصًا.