العالم يتغير، لحظات عصيبة لم يعرف التاريخ مثيلاً لها، النفط “الذهب الأسود” يسجل سعر البرميل لعقود شهر أيارأكثر من 37 دولاراً تحت الصفر، لأن تكلفة التخزين تفوق كل الأسعار، والاحتياطات بلغت حدها الأقصى وتلاشى الطلب، والتدهور نتيجة مباشرة لتداعيات فيروس “كورونا المستجد”، حيث العالم بأسره مقفل بعد إجبار مليارات من البشر على ملازمة المنازل للحد من انتشار الوباء! طبعاً لن تبقى الأمور هكذا لكن الشكوك كبيرة حول موعد التعافي العالمي، فالهبوط الاقتصادي قد يتجاوز الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، والسؤال كبير جداً عن التداعيات على اقتصادات المنطقة التي تقوم أساساً على النفط وعائداته، وبالتوازي لم يعد مجدياً السؤال عما يجري عندنا فأهل الحل والربط بين الغيبوبة والتواطؤ! وهم اكتفوا بذاك الاعلان: لبنان بلد نفطي! وما زالت منتشرة إعلانات مبتذلة حملت عبارة “شكراً جبران”!!
العالم منشغل باليوم التالي بعد كورونا، باتخاذ أعلى إجراءات الوقاية عبر تكثيف الفحوصات حيث الاتجاه العالمي ألاّ تقل عن 10% من السكان وبعض البلدان تخطط لتجاوز نسبة 25%، وكيفية استعادة الاقتصاد دورته، وكيف تستعاد الوظائف وتُحمى المداخيل وتتأمن متطلبات الحياة.. وعندنا يسود الغياب، عفواً التواطؤ من القوى الممسكة بالسلطة وممن عم الآن خارجها. كلهم على ضفتي الانقسام الطائفي أخذوا البلد إلى الانهيار. كلهم “نفتالين” وليسوا ملح الأرض الذي يبني!
هذا النهار يكون قد مضى الشهر الثالث على تأليف حكومة الواجهة، التي تعيش غربة كاملة عن البلد وهموم أهله، لغة خشبية وتشاوف ومدح الذات وعجز عن تقديم أي فكرة مفيدة، وتغطية كاملة لعودة انتاج وتلميع القوى الطائفية من خلال رشوة كرتونة إعاشة، بعد تنفيذ الحكم بإفلاس البلد الذي نهبوه، إنها ماريونات تتحرك غب الطلب. ها هي في زمن الجوع تتفرج على مافيا الأفران، تتلاعب بلقمة الخبز وترفع سعر الرغيف، بعدما نهبت الدعم المخصص للطحين واستخدمته في منتجات الأفران المختلفة. وفي الوقت عينه يغيب كل تفكير عن حتمية الخطوات الطبية المسؤولة برفع مستوى الفحوصات إلى 5 آلاف يوميا،ً كي يكون بالامكان وضع استراتيجية تحمي الحياة والبلد من تبعات انتشار الوباء، فيما خلف الكواليس نقاش عن اتجاه لتمديد “التعبئة العامة” والحجر المنزلي اسبوعين إضافيين لتمرير المزيد من الانتهاكات، وتغيب كل التوقعات العلمية وكل التوجهات المفترض رسمها لانقاذ الحياة، فالتعاطي المسؤول يتطلب وضع الفوتوشوب جانباً وعدم التصرف وكأن اللبنانيين شعب متروك ما من جهة تبحث بالنتائج والتداعيات وأبرزها معيشة المواطنين!
من اليوم الثلاثاء، يعود الشارع لإسماع صوته، تنطلق ظهرا في بيروت وكل مدن لبنان التظاهرات السيارة التي تعلن أن الوباء لن يكتم الأصوات أويخرسها. وأن الكورونا لم تقتل المواطنين، بل الجوع والاصرار على إعادة انتاج نظام المحاصصة الطائفي الفاسد الناهب هو ما يهدد بقتل الناس. فكانت العودة إلى التظاهر مع أعلى إجراءات الحماية، من أجل المطالب التي رفعتها ثورة تشرين والتفت ملايين المواطنين حولها وأولها إسقاط حكومة الدمى، وقيام حكومة انتقالية من خارج الطائفيين المتهمين بالفساد، تقود التحضير لمرحلة تسمح بإعادة تكوين السلطة وتقصير الولاية الرئاسية، ووضع حدٍ لسلطة تحالفت مع الوباء لتنقض على حقوق المواطنين ومصالحهم: بالعمل، بالوظائف، بالعيش والوقاية وممارسة حرياتهم التي كفلها الدستور!
تنطلق اليوم التظاهرات التي تتوج تحركات شعبية في أكثر من منطقة، بوجه برلمان غاقدٍ للشرهية الشعبية، للتأكيد على أن لا أولوية على أولوية الدفع باتجاه التغيير السياسي الشامل على قاعدة المحاسبة والمساءلة أمام قضاء عادل، لن يبقى أداة بيد طغمة الحكم، بل ستُفرض استقلاليته لكي يقوم بالدور المرتجى في حماية مصالح الدولة والمواطنين، ليصبح بالامكان استعادة المال المنهوب، واستعادة المال المسيطر عليه من المافيا إياها، والمعروف بالأملاك البحرية والنهرية ومشاعات الدولة وهي الأساس لعودة البلد إلى النهوض!
يبقى أن نشير أن جدول الأعمال في الجلسة النيابية اليوم يخلو من أي حلول أو رؤية لحلِّ أي من أزمات البلد.. لا بل إنها الجلسة الفولكلورية التي يراد منها أن تحقق قوى نظام المحاصصة الطائفي مكاسب سياسية، فهذا البرلمان مستنسخ عن سابقه وسابقه..، ما هو إلاّ برلمان تشريع زراعة الحشيش اليوم، وكل ما شرعه سابقاً يندرج في سياق نهج متكامل مسبب للانهيار ويستكملون هذا النهج في الدفع لتصفية الدولة. من يقدم على إصدار العفو عن تجار المخدرات ومروجيها ومرتكبي جرائم العنف ضد النساء، ومرتكبي جرائم القتل يشرع لجعل البلد غابة، وعلى كل هؤلاء أن يدركوا أن الحساب آتٍ مهما تأخر والثورة لن تنساكم، فالثورة أسقطت مرتين مشروع قانون العفو وواهم من يظن أن الثورة عاجزة عن حماية المجتمع الملتف حولها!
وكلن يعني كلن