د. عمر الفاروق النخّال | منذ اللحظة التي بدأ فيها الحديث الجدي عن اقتراب تسوية ما أو أفق سلام محتمل للحرب في أوكرانيا، لم تكن روسيا وحدها تحت المجهر، بل ظهر الاتحاد الأوروبي عاريًا سياسيًا، مكشوف البنية، هشّ القرار، بعدما قدّم نفسه لعقود كتلة صلبة قادرة على فرض إيقاعها في المنعطفات الدولية الكبرى. فالحرب التي كان يُفترض أن تكون لحظة اختبار لقوة أوروبا ووحدتها تحولت تدريجيًا إلى مرآة عاكسة لعجزها البنيوي عن اتخاذ قرار سيادي واضح، وإلى مناسبة إضافية لانكسار صورة الاتحاد بوصفه لاعبًا جديًا لا مجرّد ساحة لتوازنات الآخرين.
يكثر القادة الأوروبيون من الخطابات الصدامية والعناوين الرنّانة حول الدفاع عن القيم الغربية وحماية النظام الدولي، لكن هذه النبرة العالية تفقد معناها سريعًا عند أول امتحان عملي. فما إن يدخل الاتحاد في تفاصيل التنفيذ، حتى تتبدد الشعارات أمام واقع الانقسامات الداخلية، وتتحول وحدة الموقف إلى بازار مصالح، حيث تُراعى حساسيات هذا العضو وتُطمئن مخاوف ذاك، إلى أن يخرج القرار الأوروبي في نهاية المطاف فارغًا من أي مضمون فعلي، أو مشروطًا إلى درجة يفقد معها تأثيره وجدواه.
ملف الأصول الروسية المجمّدة يشكل المثال الأوضح على هذا الارتباك، فبينما يهدف اجتماع بروكسل إلى ضرورة استخدام هذه الأصول لدعم أوكرانيا ماليًا وعسكريًا، تجد أوروبا نفسها عاجزة عن تحويل هذا الطرح إلى قرار حاسم.
الخلافات القانونية، والهواجس السيادية لبعض الدول، والخوف من السوابق القانونية، كلها عناصر كافية لتعطيل أي خطوة جريئة، وهكذا، يصبح الاتحاد مضطرًا في كل مرة إلى ترضية أعضائه قبل التفكير بأوكرانيا، فيُنتج قرارًا رماديًا لا يرضي كييف، ولا يضغط على موسكو، ولا يغيّر في مسار الحرب شيئًا.
في المقابل، تقف روسيا عند شروطها الصلبة، غير معنية بضجيج البيانات الأوروبية، مدركة أن هذا الاتحاد، رغم ضخامته الاقتصادية، يفتقد القدرة على فرض كلفة سياسية حقيقية. وهنا تتقاطع هشاشة الموقف الأوروبي مع عامل آخر أكثر حسمًا، يتمثل هيمنة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على المشهد.
فترامب، بعقليته القائمة على الاستعراض والقوة الشخصية، لا يتعامل مع الحرب الأوكرانية كملف أوروبي بقدر ما يراها ساحة لإبراز صورته كـ “الآمر الناهي”، القادر على إنهاء حرب كبرى بكلمة، في محاولة واضحة لكسر نرجسية خصمه الروسي فلاديمير بوتين، لا عبر أوروبا بل فوقها.
المفارقة أن قادة الاتحاد الأوروبي، وبدل إدراك حجم تراجعهم، ينخرط كل منهم في معركة نرجسية صغيرة، يحاول من خلالها الظهور بمظهر الزعيم المؤثر، ليكتشفوا عند صدور القرارات أن الاتحاد فقد هالته، وأن الزعامة الجماعية تحولت إلى وهم، وأن أوروبا التي كانت تُحسب حسابًا في المعادلات الدولية باتت طرفًا يُستشار شكليًا لا أكثر.
والأخطر من ذلك أن اللحظة التي سيعلن فيها ترامب بنفسه نهاية حرب أوكرانيا، ليضيفها إلى سجل “الحروب التي أنتهت في عهده”، ستكون لحظة فاصلة في صورة أوروبا، يحسث لن يترك الرئيس الأميركي حينها أي هامش للاتحاد كي يسرق الضوء أو يدّعي دورًا متقدمًا وستكون التسوية أميركية بامتياز، بختم شخصي، تضع أوروبا أمام حقيقة مؤلمة عنوانها غياب أوروبا نفسها عن أخطر حرب على حدودها، وأنها لم تكن سوى ممول متردد، وخطيب حماسي، بلا قرار مستقل.
تلك اللحظة، إن حصلت، لن تكون مجرد نهاية حرب، بل نهاية صورة .. صورة أوروبا القوية، الرصينة، القادرة على إدارة أزماتها ومحيطها.
وما لم يُدرك الاتحاد أن مشكلته ليست في روسيا وحدها ولا في ترامب فقط، بل في عجزه الداخلي عن التحول من تجمع مصالح إلى كيان سياسي صاحب قرار، فإن كل حرب مقبلة ستكون مناسبة جديدة لانكشاف هذا العجز، مهما علت العناوين وكثرت البيانات.