د. عمر الفاروق النخال | يشعر اللبناني اليوم أنّ ثمّة “خيطًا رفيعًا” يفصل بين ما يراه من وعود سياسية، وما يلمسه من محاولات منظمة لعرقلة كل نافذة أمل، وفي الأيام الأخيرة، بدا هذا الخيط أكثر انكشافًا مع تكرار الإشارات الصريحة من رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، ثم من رئيس الحكومة نواف سلام، إلى وجود لوبيات لبنانية في الولايات المتحدة تعمل على تخريب العهد الجديد قبل أن يتشكّل فعلًا. لم تكن هذه الإشارات تفصيلًا سياسيًا عابرًا كانت أقرب إلى قرع جرس إنذار حول حقيقة ما يجري في الغرف المقفلة، وحول الجهات التي قررت أن تلعب دور “الفسّيد” المتخصص في تعطيل كل محاولة لقيام الدولة.
لم يمرّ وقت طويل حتى جاءت الترجمة العملية: تأجيل واشنطن زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، في خطوة حملت رسائل أكثر مما احتمل ظاهرها البروتوكولي، حيث بدا المشهد كأنّ اللوبيات التي جرى الحديث عنها خرجت من الظل، وصارت جزءًا من لعبة متكاملة تستهدف إرباك المؤسسة العسكرية في أدق لحظة سيادية يمرّ بها لبنان منذ سنوات. والمؤسف أنّ اللاعبين ليسوا غرباء ولا خصومًا تاريخيين، بل لبنانيون يقدّمون أنفسهم، في كل مناسبة، بوصفهم “حماة السيادة” و”أصحاب الخبرة” في الخارج.
الخطر في هذه الحركات لا يكمن فقط في تعطيل زيارة عسكرية أو عرقلة قناة تواصل، الخطورة في الرسالة التي يراد تمريرها للبنانيين: أن عهدًا جديدًا لن يُسمح له بالوقوف على قدميه، وأن الدولة لن تقوم ما دام هناك من قرّر استثمار علاقاته في الخارج لتخريب الداخل. هنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر إيلامًا: ما الذي يدفع مجموعات لبنانية إلى ضرب صورة الجيش، المؤسسة الوحيدة التي ما زال اللبنانيون يجتمعون حولها؟ وكيف يمكن لمواطن يرفع شعار الوطنية صباحًا أن يتصرف مساءً بطريقة لا تختلف كثيرًا عن سلوك العملاء لإسرائيل حين يستهدفون عناصر القوة الوحيدة المتبقية لدى الدولة؟
والتشكيك في وطنية هذه المجموعات ليس اتهامًا اعتباطيًا، بل نتيجة منطقية لمسار كامل من السلوك فمن يختار، عن وعي، الضغط على مؤسسات الدولة في أحرج لحظة، ويعمل على تشويه صورة قائد الجيش قبل أن يبدأ عهد جديد، لا يمكن أن يختبئ خلف ذريعة “النصح” أو “الحرص على لبنان” فهؤلاء يمارسون فعلًا سياسيًا تخريبيًا مكتمل الأركان، يعرقل التعافي المالي والاقتصادي قبل أن ينطلق، ويقطع الطريق على أي إمكانية لترميم الثقة بين الدولة والناس.
وعلى الرغم من أنّ كشف الأسماء لا يزال محصورًا في دوائر القرار، إلا أنّ اللحظة تفرض الذهاب أبعد: فضح هذه المجموعات علنًا، واستبعادها من أي شكل من أشكال المسؤولية السياسية لاحقًا فلبنان لا يستطيع الاستمرار بمنطق الفسّيد الذي ينخر كل فرصة، ولا بمنطق اللاعبين المزدوجين الذين يبتسمون في الداخل ويطعنون في الخارج.
ما يجري اليوم ليس تفصيلًا إنّه اختبار لقدرة اللبنانيين على حماية حلم قيام الدولة من أيدي الذين قرروا أن يكونوا امتدادًا لأزمات الآخرين، بدل أن يكونوا جزءًا من الحل الوطني. واللحظة قد تكون مؤلمة، لكنها كاشفة: إمّا أن ينتصر مشروع الدولة، أو تترك الساحة لمن تخصصوا في تخريبها.