السعودية وأمريكا بين زيارتين
خلال هذا الأسبوع يزور سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الولايات المتحدة بعد مضي نحو سبع سنوات ونصف على زيارته السابقة في مارس 2018. وبين الزيارتين خطت السعودية خطوات واسعة في تحقيق رؤيتها 2030، وكانت مبادرة وقوة دافعة لتحريك ملفات إقليمية ودولية، وأثبتت أن رؤيتها تتجاوز حدودها لتتعامل مع أجندات متعددة ليس أقلها إصرارها على أن سعيها لتنويع اقتصادها منطلق من استشعار لضرورة تعزيز مرونة اقتصادها والارتقاء بإنتاجيها وقدرتها التنافسية، وليس من منطلق الفهم القاصر لوكالة الطاقة الدولية، والذي اضطرت للتراجع عنه في تقريرها الأخير الذي نشر تزامناً مع قمة المناخ المنعقدة حالياً في البرازيل، بان المنطلق هو بقرب وصول الطلب على الوقود الاحفوري إلى “قمته” في العام 2030 والغاز في العام 2035.
وحالياً، يتربع الاقتصاد السعودي في منطقة الشرق الأوسط باعتباره الأعلى من حيث قيمة الناتج المحلي الإجمالي (1.1 ترليون دولار بالأسعار الثابتة وفقاً لصندوق النقد الدولي) ومن حيث قطاعي المال (تداول 3.2 ترليون دولار) والتصنيع (158 مليار دولار وفقاً لمنظمة يونيدو التابعة للأمم المتحدة)، ومع ذلك فما المسافة التي قطعها اقتصادنا السعودي خلال سبع سنوات ونيف؟ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.4 ترليون من 3.3 ترليون إلى 4.7 وفق الإحصاءات الرسمية حتى نهاية 2024، ومتوقع أن ينمو بنحو 5 بالمائة في العام 2025. ولعل النجاح الواضح في تحرك الاقتصاد في اتجاه توليد قيمة مضافة أكبر من الأنشطة غير النفطية التي كسرت حاجز الـ50 بالمائة نتيجة لمساهمة الأنشطة غير النفطية ولاسيما السياحة من خلال أنشطتها المباشرة وغير المباشرة والمستحثة. وعند النظر بعمق نجد أن اقبال الأنشطة غير النفطية على الاستثمار تضاعف بنحو 2.4 ضعفاً مع نهاية 20124 عما كان عليه في العام 2018، ليتجاوز حاجز الترليون ريال، مما يشير إلى أن اقبال المستثمرين على الاقتصاد السعودي ليس قصير المدى، وأن محرك النمو هو الاستثمار الخاص، فعند المقارنة نجد أن الضخ الاستثماري للحكومة تجاوز بقليل 200 مليار ريال في حين تجاوز الضخ الاستثماري للأنشطة غير الحكومية 1.2 ترليون ريال، جلها (1 ترليون ريال.) مصدره أنشطة غير نفطية. وبين السنتين تراجعت البطالة بين السعوديين تراجعاً كبيراً، حيث كان معدل البطالة بين السعوديين 12.7 بالمائة في نهاية العام 2018، تراجعت بتؤدةٍ إلى 7 بالمائة نهاية العام 2024 وإلى 6.8 بالمائة في الربع الثاني العام 2025. لينضم بذلك معدل البطالة إلى مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تحققت قبل موعدها بسنوات، ومنها كذلك مستهدفات معدل مشاركة المرأة في سوق العمل، وتملك السعوديين للمساكن، وتغطية الرعاية الصحية، وعدد السياح، وعدد المعتمرين.
وشهدت الفترة تحسناً في ترتيب السعودية في المؤشرات مقارنة بدول العالم، حيث تقدمت إلى المرتبة 18 بمعيار الناتج المحلي الإجمالي والمرتبة 15 بمعيار القوة الشرائية، المرتبة 35 في التنمية البشرية، و17 في مؤشر سهولة أداء الأعمال، و17 في مؤشر التنافسية، و22 في مؤشر التنافسية الرقمية، 46 في مؤشر الابتكار العالمي، و38 في مؤشر أداء اللوجستيات.
وضمن هذا السياق التحولي القائم على تحقيق نتائج تأتي الزيارة الثانية لولي العهد، ولم تخطيء مراكز البحث الأمريكية تلمس ذلك، حيث تبرز الزيارة كفرصة لتعزيز شراكات ذات صلة وثيقة بالتنويع الاقتصادي وزيادة تنافسية الاقتصاد السعودي ولاسيما في مجالات في مقدمتها الذكاء الاصطناعي وبنيته التحتية. ولا يفوت أن الاتفاقات التي ستنجز إبان الزيارة ذات تأثير جوهري على الاقتصاد الأمريكي قد تضيف ما لا يقل عن 1 بالمائة للناتج المحلي الأمريكي، وفق بعض التقديرات الأمريكية المصدر؛ فمن جهة ستحفز الزيارة الاستثمارات السعودية في أمريكا ومن المتوقع أن يكون لصندوق الاستثمارات العامة دوراً بارزاً في تمويل مشاريع الطاقة المتجددة والنووية والتقنية، وكذلك ربط الاتفاقات الدفاعية بالتنويع الاقتصادي تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030 لتوطين الصناعات الدفاعية محلياً. ولا يفوت أن دوراً مهماً يمارسه القطاع الخاص في منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي الذي تنظمه وزارة الاستثمار بالاشتراك مع مجلس الأعمال السعودي الأمريكي.
المصدر: البلاد البحرينية