بقلم الدكتور عمر الفاروق النخال | قهر بيروت لا يحتاج إلى كثير من الشرح، ومحاولة بث صورة الأمينين العامين السابقين للحزب حسن نصر الله وهاشم صفيّ الدين، على صخرة الروشة في ذكرى اغتيالهما كانت استفزازاً صريحاً.
الرسالة قرأتها المدينة ببساطة: هناك من يريد تثبيت فائض رمزي فوق معلمٍ يخصّ كل اللبنانيين.
والجواب جاء أوضح ما يكون: لا، لا لتحويل الذاكرة المشتركة إلى منصة استعراض، لا لتغليب الراية الحزبية على الفضاء العام، لا لجرّ بيروت إلى خطاب القوة في مكانٍ يفترض أن يظلّ للناس والدولة.
هذا الرفض يفضح مأزقاً شعبياً لا يمكن تجميله، فالحزب الذي تراجع عسكريا وسياسيا تصرّف وكأن الصورة قادرة على تعويض السياسة، وكأن الضوء على الصخرة يمكنه أن يمحو ظلالاً ثقيلة راكمتها لغة التحدّي والغلبة.
لكن بيروت ليست جمهوراً يُستدرج بضغطة زرّ، هي عاصمة تقيس السياسة بمعيار الدولة، وتقرأ كل حركة على أنها إما توسيعٌ للمشترك أو تضييقٌ عليه وما حدث عمليا أن هذا الاستعراض خسر لحظته، وكشف ميزاناً اجتماعياً جديدا كان فيها الناس أسرع من الأحزاب في حماية المجال العام من الاستفزاز.
من تجاعيد الصخرة الصامدة بات يفهم كثيرون تبدّل نبرة الأمين العام الحالي للحزب الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير، حين طلب المصالحة مع السعودية.
ليس في طلب المصالحة ما يُعاب، بل على العكس هو واجب وطني، لكن المغزى يقول أن الحزب أدرك متأخراً عمق الجراح التي تركتها لغته في الذاكرة البيروتية، وأن محاولات الاستفزاز المتكرّرة على مدى عقدين لم تكن سوى عملية نكء متواصل لهذه الذاكرة، لكن رغم كل شيء الاعتراف بالجرح خطوة أولى، أمّا التداوي فلا يكون بالكلام ولا ببيان نوايا عابر.
الحقيقة المباشرة التي لا تحتمل التواء تقول إن المصالحة بلا تغييرٍ في القواعد تبقى مجرد تكتيك، أما المصالحة لإعادة بناء الثقة الداخلية وفتح الأبواب الخارجية، فطريقها واحد هو وضع السلاح تحت إمرة الدولة وتسليمه للجيش اللبناني، وإنهاء ازدواجية القرار الأمني والعسكري، لا دولة مع سلاحين، ولا شراكة سياسية مع تهديدٍ دائمٍ بقوةٍ خارج الشرعية، مع تمكين حقيقي للمؤسسات ببسط سلطتها على كامل الأراضي، بلا مربّعات، ولا خطوط تماس، ولا “استثناءات” لحساب أي تنظيم. عندها فقط يصبح الحوار مع الرياض امتداداً طبيعياً لتسويةٍ داخلية صلبة، لا مناورة ظرفية.
المشوار السريع بين صخرة الروشة والرياض يلخّص خرائط الطريق الممكنة، فحين يعلو منسوب الاستفزاز تضيق المساحات، وحين تعود اللغة إلى أدب الشراكة، تتّسع الآفاق.
وقد أثبتت بيروت مرةً أخرى أنها ليست مدينةً تُدار بالقوة الناعمة للصورة ولا بالقوة الخشنة للسلاح، أثبتت أن لا شيء يقنعها إلا لغة الدولة.
ومرةً جديدة، على واحدةٍ من معالم بيروت، تتكسّر لغة القوة ويفرض الحوار نفسه سيّد الأحكام.
هذه هي التوصية الأخيرة والأولى معاً: لا تستفزّوا مدينةً بنت ذاكرتها بالحوار، ولا تراهنوا على صورةٍ فوق صخرتها.
الرهان الوحيد المجدي هو الدولة، والدولة وحدها، وإذا كان في نية الحزب أن يفتح نافذةً نحو غدٍ مختلف، فدروسه مكتوبةٌ على الموج.
من صخرة الروشة إلى الرياض، لا طريق أقصر من طريق تسليم السلاح وبناء الثقة وما عدا ذلك يبقى كلاماً في التكتيك، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.