1. Home
  2. زوايا
  3. هل ماتت القصيدة الفصيحة مع جورج شكور؟
هل ماتت القصيدة الفصيحة مع جورج شكور؟

هل ماتت القصيدة الفصيحة مع جورج شكور؟

0
0

عندما غاب الشاعر اللبناني جورج شكور، لم يغِب معه اسم فردٍ بقدر ما انسحب ظلّ مدرسة كاملة من الشعر العربي الفصيح. فقد مثّل شكور، طوال عقود، أحد آخر الأصوات التي تشبّثت بعمود الشعر، بالقصيدة الموزونة المقفّاة، وبالبلاغة التقليدية التي نسجها العرب منذ الجاهلية وورثتها القرون حتى القرن العشرين. لكن السؤال المُلِحّ: هل برحيله تُطوى صفحة القصيدة الفصيحة الموزونة؟

جورج شكور لم يكن مجرّد شاعر يكتب بالعربية، بل كان حاملًا لمشروع دفاعي عن الشعر الفصيح في زمنٍ تتزاحم فيه الحداثات والأساليب المتفلّتة من الوزن والقافية. كان يرى أن اللغة العربية لا تكتمل هويتها إلا من خلال موسيقاها الداخلية. في دواوينه ومحاضراته وكتاباته النقدية، ظلّ يذكّر بأن الشعر ليس مجرد فكرة أو مشهد عابر، بل بناء محكم يعكس عبقرية اللسان العربي.

اليوم، تبدو الساحة الشعرية العربية متشعّبة: قصيدة النثر باتت جزءًا راسخًا، والقصيدة التفعيلية تمارس حضورًا قويًا، فيما العمود الكلاسيكي لم يعد يستقطب الأجيال الجديدة إلا في المناسبات الرسمية أو بعض المحافل التراثية. ومع ذلك، ما زالت هناك محاولات شبابية تعيد إحياء الوزن والقافية في قوالب جديدة، متأثرة بالمنصّات الرقمية والسوشيال ميديا، وكأن القصيدة العمودية ترفض أن تُدفن.

الموت هنا ليس موتًا بيولوجيًا، بل هو استعارة عن تراجع الذائقة الجماعية تجاه النص الفصيح العمودي. فالقارئ المعاصر يبحث غالبًا عن نصوص قصيرة، مرنة، لا تقيّده ببحر ولا بعروض، وإنما تلتقط نبضه السريع. لكن هذا لا يعني أن العمود مات، بل إنه عاد إلى ما يشبه “الترف الثقافي”: يُحتفى به في الندوات، ويُستشهد به في اللحظات الكبرى، ويظلّ مرجعًا للبلاغة حين تضيع المقاييس.

القصيدة العمودية لم تمت مع جورج شكور، لكنها فقدت أحد آخر فرسانها الكبار. قد لا تعود إلى ساحة الانتشار كما في زمن المتنبي أو شوقي أو البارودي، لكنها ستبقى حيّة في الضمير الثقافي، تمامًا كما بقيت الخطابة العربية رغم اندثار المنابر التقليدية. وربما يكمن دور الأجيال الجديدة في المزاوجة: الحفاظ على موسيقى الفصحى مع استثمار انفتاح النص الحديث.

رحيل جورج شكور مناسبة للتأمل في مصير الشعر الفصيح. فالموت الحقيقي للقصيدة لا يحدث حين ينصرف عنها الناس، بل حين ينقطع الخيط الذي يربطنا بجذورنا اللغوية والروحية. والقصيدة، بكل أشكالها، ستظلّ حيّة طالما ظلّت العربية حيّة في قلوب شعرائها وقرّائها.