1. Home
  2. ولكن
  3. ٤ آب… وجعُ الأبدِ المفتوح
٤ آب… وجعُ الأبدِ المفتوح

٤ آب… وجعُ الأبدِ المفتوح

0
0

كتب الدكتور عمر الفاروق النخال | في الرابع من آب، لم ينفجر المرفأ فحسب، بل تفجّرت الحقيقة من قلب المدينة، وارتجّ الهواء بحجم الخيانة. في ذاك المساء، لم يصعد الدخان من البحر بل من صدور الناس، لم تُهشَّم النوافذ وحدها بل الأمان، ولم يُقذف الحجر بل الإنسان نفسه، من علوّه إلى حضيض الغدر.

بيروت في ذاك المساء كانت أمًا تنادي أبناءها تحت الركام بصوتٍ لا يخرج، مدينةٌ تصرخ ولا يسمعها أحد، عاصمةٌ خُذلت من قلبها، زهرةٌ دهسها نعال التواطؤ، وبُعثرت بتؤدةٍ تحت جنازير الحصانات. كل شيء تغيّر منذ ذاك الانفجار الذي لم يكن صوتًا، بل صدمة. أشبه بنبضٍ يتوقّف فجأة في صدر المدينة، كأنّ قلبها توقّف عن الخفقان وبقي وجهها حيًا لتشهد على مذبحتها. الهواء اختنق، السماء تقوّست من هول الصدى، والمباني نكّست رؤوسها، بينما الأجساد تناثرت كأنّها تهمس: “من كان يحرسنا؟”

المدينة كانت تحلم. بعضهم كان يُحضّر فنجان قهوته، طفلةٌ كانت تنفخ شمعتها السادسة، شابٌّ يهمّ بالنزول إلى الحياة، وأمّ كانت تكتب رسالة صغيرة لأولادها. كل هؤلاء، ذابوا في لحظة. صهرهم لهب النيترات، وبعثرتهم رياح التواطؤ، وجمّدتهم يد العدالة المرتعشة.

ومنذ ذلك اليوم، صار للمدينة وجه جديد: وجه مغموس بالرماد، وعين تنظر إلى العدالة كما ينظر الجريح إلى الدواء الموضوع بعيدًا عن متناول يده. لم تبكِ بيروت فقط، بل ضمّدت جراحها بأطراف أثوابها، وكتبت أسماء ضحاياها على الحيطان، ثم جلست على الرصيف تنتظر أن يسألها أحد: “من فعل هذا بكِ؟”

لكن أحدًا لم يسأل. فالأسئلة تخاف من الأجوبة، والأجوبة تخجل من أن تُقال. كل ما حدث بعدها كان باهتًا… بيانات، لجان، قضاة يُنزعون كما تُنزع أوراق الشجر في الخريف، أحكام مؤجّلة، أسلاك شائكة نُصبت حول الحقيقة، وكلّما اقتربنا من النور، أطفأوه بماء المصالح.

بيروت تعرف. هي تعرف وجوه من أخفوا الملفات، تعرف أصابع من دسّ السمّ، تعرف الأبواب التي دخل منها الصمت، وتعرف تمامًا أن العدالة لم تُغتصب… بل بيعت. كل هذا الموت، كل هذا الدمار، كل هذا الدمع… ولا أحد يُحاسب، ولا صوت يُسائل، ولا إصبع يُشير إلى صدر المجرم. كأنّ المدينة خُلقت لتتحمّل، كأنّها كُتبت لتصبر، كأنّها قُدّرت لتنسى.

لكن من قال إن بيروت تنسى؟ هي تحفظ أسماء أبنائها في حجارة الأرصفة، وتكتب وصاياهم في نسمات المرفأ، وتترك آثارهم في صوت فيروز حين يصمت فجأة. ٤ آب سيبقى خريطةً من الدموع، وسِفرًا من الجراح، ووشمًا على جبين هذه البلاد، وشهقةً مبلّلةً بالأسى في صدر أمّ ما زالت تنتظر جوابًا من القضاء الغائب.

لسنا في حاجة إلى خطب، نحن في حاجة إلى اعتراف. إلى لحظة شجاعة تقول فيها الدولة: “نعم، قتلناهم”. إلى دقيقة صدق لا تُشترى ولا تُباع. لكننا نعرف… في هذا البلد، الاعتراف ليس شجاعة، بل نكسة. والعدالة ليست حقًّا، بل استثناء.

لهذا سنبقى هنا، في الذكرى الخامسة التي لا تحتاج ميكروفونات، في الحزن النبيل الذي لا يصرخ، في الغياب الذي يربّي الذاكرة كأمٍّ ثكلى، نهمس في وجوه الغادرين: قد تُطفئون التحقيق، لكن لن تُطفئوا الدم. قد تمحون الوثائق، لكن لن تمحوا الشهداء. قد تؤجّلون العدالة… لكنها ستأتي.

٤ آب… وجع الأبد المفتوح، وكلما خفّ صوته، زادت قوّته. لأننا لا نصرخ به، بل نحيا فيه… وفيه فقط، سنحيا إلى أن تقول بيروت كلمتها الأخيرة، لا بالمرافعات… بل بالدمع الذي يُدين دون أن يتكلّم.


tags: