1. Home
  2. ولكن
  3. فيروز .. صمت الأوشحة السُود!
فيروز .. صمت الأوشحة السُود!

فيروز .. صمت الأوشحة السُود!

0
0

بقلم الدكتور عمر الفاروق النخّال | فيروز تبتكر بحزنها لغة رهيبة:
لغة تقول إن الفجع كلّما تراكم، شيّد في الدُنيا جبلاً مكسوراً بثقل الوقار، ومكسوّاً بأقتم الأوشحة، يراقب عبث ألوان الحياة الذي لم يرسُ يوماً على صفاءٍ كامل. أي فاجعة تلك التي تُسكت الصوت الذي ربّى على أوتاره شعباً بأكمله؟
وأي سوادٍ ذاك الذي لا يُستعار من خزانة الحداد، بل يُنسج خصيصاً من خيوط الدمع السرّي ونَفَسٍ مبحوح تكسّره الوحدة؟
إنه سواد فيروز.

في الصور التي اجتاحت العالم كرجفة صامتة، لم تكن سيدة لبنان ترتدي ثوباً أسود فقط، بل كانت تغلّف الكون بلحظة موت معلّقة بين الماضي والمستحيل.
كانت أشبه بصدى فقدٍ لا صراخ فيه ولا نواح، بل تمثال من حزن يُنحت كل لحظة على مرأى منّا، فنراه ولا نستطيع أن نصرخ: عودي يا فيروز.

هكذا تبدو الأم عندما تفقد الابن الذي لم يكن فقط بعضاً من دمها، بل بعضاً من ملامحها التي تجسّدت على البيانو، وبعضاً من تمردها حين تُغلق أبوابها على هذا العالم، وبعضاً من كبريائها في النغمة، حين يُصبح اللحن بياناً سياسياً، أو صفعة وطنية، أو مرآة مهشّمة للخذلان.

زياد لم يكن ابناً عادياً… كان انعكاساً لها على سطح الحياة: بملامحه العابسة، وعبقريته القلقة، وموسيقاه التي كانت تُفجّر الجمال من تحت أنقاض الغضب. فقده لم يكن كأي موت… بل كأن الحياة ذاتها فقدت مزاجها، ولغتها، وهشاشتها المقدّسة.

تلك النظرة خلف النظارة السوداء لم تكن لإخفاء الدمع، بل لتأديب العالم على سوء أدبه مع الأمهات حين يفجعهنّ أولادهنّ.
كانت نظرة تجمّد الزمن، وتُقفل بوّابة الصباح، وتقول لنا: إن فيروز التي أعطت لهذا الشرق نغمة الخلود، لم تعد تُجيد العطاء… لأنها ببساطة، نُزفَت من الداخل.

في مشهدها المتشح بالسواد، ما يشبه اللوحة التي رُسمت بأصابع من ضوء خافت وماء مالح.
وجهها بدا وكأنه خارج من زمن أبيض وأسود، من شريط سينمائيّ قديم، لا نسمع فيه إلا صوت الموسيقى والبكاء المختنق.
كتفاها لا تنحنيان، لكنّهما يحمِلان ثقلاً صامتاً يُشبه صمت الأمكنة بعد الملمات.

حتى عيونها – رغم الوشاح الداكن – كانت تُحدّق في ما بعد الصورة… كأنها ترى زياد هناك، واقفاً عند عتبة الغياب، يلوّح بنصف ابتسامة ساخرة رغم هيبة الموقف.

الحداد عند فيروز ليس شكلاً، إنه فلسفة جمالية للغياب.
كل خيط في وشاحها، كل طبقة من ملابسها، كل حيّز صمت بين نظرة وأخرى، كان يُرتّل وجعًا لا يُقال… كانت تمشي كأنها تمشي داخل نفسها، كأن الطريق من بيتها إلى المقبرة يعبر فوق نبضها هي، لا فوق الأرض.

هذا الصمت الذي ملأ حضورها هو أبلغ ما قيل في الرثاء. لا قصائد الرثاء ارتقت، ولا كلمات التعزية بلغت.
لأن الأم، حين يكون ابنها هو الذاكرة، والموسيقى، والعزلة، والضوء، والمُربك النبيل… فإن غيابه لا يُرثى، بل يُعاش كحسرة صامتة كل لحظة.
فيروز لا تُعلن حزنها. فيروز توزّعه علينا بالصورة، وتنسحب، تتركنا نرتجف أمام مشهدها، نبتلع ريقًا من غصة لا نعرف كيف نُسميها.

هكذا هي فيروز…

حتى حزنها فنّ.

حتى بكاؤها أناقة.

حتى حِدادها يقيم فينا حفلة ذبول، لا ضجيج فيها، بل ضوء ينطفئ ببطء… ويتركنا في مهبّ فراغ.

وفي لحظة عابرة، أمام تلك الصورة، يشعر المرء أن الزمن توقف ليُسجّل:
إنها المرة الأولى التي تبدو فيها السيدة – التي لم تهزمها حرب، ولا احتلال، ولا انكسارات وطن – منهزمة حقاً.
لكنها لا تنكسر، فقط تصمت.
وصمتها هذا… هو المرثية.
وهو النشيد الدامع.


tags: