عندما يعلن الرئيس ترمب أن “المحادثات مع طهران متوقفة، وأنه لا يقدم لها أي عرض حالياً”، ويقول نائب الرئيس الإيراني أنه “لا يمكن الوثوق بوقف النار وعلينا الإستعداد لإستئناف الحرب”، وتنسب “وول ستريت جورنال” إلى مسؤولين أميركيين أن “إيران ربما تكون قد خبّأت ما يكفي من أجهزة الطرد المركزي والمواد اللازمة لصنع قنبلة نووية”، فإن ذلك يعني أن حرب الأيام الـ12 الإسرائيلية الأميركية – الإيرانية، لم تحقق كل غاياتها لتبدو الفترة الراهنة وكأنها إستراحة بين حربين!
لقد أبرزت هذه الحرب ظاهرة أن السيطرة الإسرائيلية من الجو التي كانت مطلقة، ترافقت مع إختراقات واسعة نفذها جهاز الموساد الذي أنشأ قوة تدخل داخل إيران متعددة المهام: المؤازرة الجدية للهجمات الإسرائيلية بتدمير الكثير من الدفاعات الجوية، وتنفيذ أكثر الإغتيالات التي قضت على حلقة القيادة العسكرية المقربة من المرشد كما طالت أبرز العلماء. وإن صح أن طهران إعتقلت 700 جاسوس للموساد فعندها يمكن للمراقب أن يتخيل حجم هذا الإختراق والإمكانيات التي يمتلكها جهاز الموساد للعمل في إيران!
توازياً حققت طهران نجاحاً في توجيه ضربات شديدة للداخل الإسرائيلي، فأنهت أسطورة مفادها أن إسرائيل آمنة، والإسرائيلي مطمئن، لأن كل الحروب تدور على أرض الآخرين. لقد عاش الإسرائيلي عدة أيام في الملاجيء قلقاً وخائفاً من الآتي.عالم الأعمال مشلول ومثله المدارس وكل القطاعات، البحر مقفل والطائرات غادرت مطار بن غوريون الذي إنعدمت فيه الحركة. كثيرون انتقلوا للسكن في مستوطنات غلاف غزة، ومنهم من عبر سيناء في الطريق إلى قبرص.. وعلى الأغلب كانت المفاجأة قاسية مع مشاهد تفجر المباني والمؤسسات في حيفا وتل أبيب وبئر السبع ومثّل سقوطها، سقوط سردية التفوق والأمن المطلق.
نجح بنيامين نتنياهو في استدراج أميركا ترمب إلى هذه الحرب، عندما تأكد أن الأصول العسكرية لدى تل أبيب غيركافية لتحقيق النتائج الكبرى التي سعت إليها ولا سيما شل البرنامج النووي. ولم يتأخر ترمب عن المفاخرة بأنها حربه، وألحقت الضربات الجوية الأميركية أضراراً جسيمة بمنشأة “فوردو” كما “نطنز” و”أصفهان”، لكن هذا الجديد، هو الدور العسكري الأميركي المباشر، ما ينبغي أخذه بعين الإعتبار إن حدث أي إنزلاق جديد!
ولئن سقطت كل حكاية الأذرع وأسوار النار ووحدة الساحات، فإن طهران تمكنت من خلال “الرد” ، المنسق والنظيف، على الضربة الأميركية بإستهداف قاعدة العديد الأميركية في قطر، أن توجه رسالة بالغة الخطورة فحواها أن إيران قادرة على زج منطقة الخليج في صراعٍ كبير. هذا “الرد” الذي لم يقتل ولم يجرح أكد أن التحدي الإيراني قائم وخطير.
يبقى أن الخسائر البشرية في إيران كبيرة ويصعب تعويض القيادات العلمية وكذلك العسكرية فيما أن الخسائر المادية فلكية. خسائر البنية التحتية للبرنامج النووي كما الباليستي والصناعات العسكرية لا يمكن التقليل منها، لكن رغم ذلك ستواصل طهران الحديث عن التمسك بالتخصيب ولن تتخلى عن هذه الورقة. وفي السياق مفهوم حديث الوزير عراقجي بأنه لا يمكن القضاء على البنى العلمية والمعرفة البشرية والقدرات التي طورت البرنامج النووي، فهل يفتح ذلك الباب الموارب لتفاوض جاد هو حاجة لكل الأطراف، ولإيران خصوصاً؟ تفاوض تريد منه واشنطن، التي تمتلك أدوات ضغط هائلة، إنهاء نظام الملالي لمشروعه النووي والخروج من زمن تصدير الثورة والإنكفاء الكامل. وتريد طهران الكثير وقد برزت حاجتها لإتفاق مرحلي، قد يتحول إلى دائم، إن وفّر لها ضمانات أمنية لإستمرار نظام الملالي، تستند إليها لمواجهة المؤشرات عن تنامي الإستياء شعبي، داخل مجتمعٍ مركب لم يحقق يوماً أي إنسجام بين إتنيات تم ترهيبها وكبت تطلعاتها.
“طوفان الأقصى” غير كل مسارات المنطقة، وكل السيناريوهات البديلة عن التفاوض كارثية، خصوصاً لإيران، التي لا يمكن أن تكون مطمئنة بأنه متعذر شن حرب برية ضدها!
المصدر: جريدة الحرة