كتب الدكتور عمر الفاروق النخال | منذ تكليف نواف سلام بتشكيل الحكومة اللبنانية، ظهرت حملة ممانعة شرسة ومتعددة الأوجه يقودها حزب الله سياسياً وإعلامياً، تستهدف الرجل قبل حتى أن يباشر عمله التنفيذي الفعلي. هذه الحملة التي تجمع بين التخوين والتشهير، ليست عرضاً جانبياً في مسار السياسة اللبنانية، بل تعكس مأزقاً بنيوياً تعيشه منظومة السلاح التي تتقلص أوراقها تدريجياً بعد الخسائر العسكرية والسياسية الكبرى التي تعرض لها الحزب في الأشهر الأخيرة.
فما يمارسه حزب الله تجاه سلام لا يمكن قراءته بمنأى عن الانهيار التدريجي في موقعه الإقليمي بعد حربه الأخيرة مع إسرائيل، والتي خلّفت دماراً واسعاً في بناه القيادية، وقلصت من قدرته على المناورة العسكرية على الحدود. كما أن سقوط حليفه الأساسي في دمشق، أفقد الحزب امتداداً استراتيجياً لطالما وفّر له الغطاء اللوجستي والدعم المعنوي.
من هنا، يصبح نواف سلام أكثر من مجرد رئيس حكومة “غير مرضي عنه”. إنه عنوان للمواجهة الداخلية الأخيرة، أو بتعبير أدق، هو الساحة الوحيدة المتاحة حالياً للحزب لتثبيت نفوذه المهتز. فسلام ليس فقط مستقلاً وصاحب موقف سيادي واضح، بل أيضاً مدعوم بغطاء داخلي عابر للطوائف، وهو ما يهدد بنية الحزب التقليدية التي لطالما استفادت من الانقسامات الطائفية لتكريس سلاحها كأمر واقع.
هذا ما يفسّر الحملة الإعلامية المركزة التي شُنّت ضد الرجل، بدءاً من تشكيك بشرعيته ومروراً باتهامه بتنفيذ أجندة غربية، وانتهاءً بتصويره كأداة لتجريد المقاومة من سلاحها. المفارقة أن هذا الهجوم اللفظي المبالغ فيه، يتزامن مع مؤشرات ليونة نادرة من الحزب على مستوى الخطاب الرسمي، حيث بدأت تطفو على السطح إشارات لقبول “نقاش وطني” حول مستقبل السلاح، بل وتقديم ذلك كجزء من استراتيجية دفاعية يمكن التفاهم عليها.
هذا الانفصام بين الخطاب الإعلامي المتشنج والمواقف السياسية المرنة ليس وليد الصدفة. بل هو تكتيك متعمد لشراء الوقت، يُستخدم فيه سلام كفزّاعة داخلية تعبّئ بها قواعد الحزب، بينما تُترك أبواب الحوار مواربة مع الخارج ومع شركاء الداخل. بهذه الطريقة، يحاول الحزب الحفاظ على تماسك جبهته الداخلية التي بدأت تتآكل بفعل تراكم الفشل والخسائر، دون أن يغلق الباب أمام تسويات تحفظ له الحد الأدنى من المكتسبات.
لكن الخطير في الأمر أن هذا النهج يضع الحكومة برمّتها على فوهة التعطيل، ويهدد الانتخابات النيابية المقررة في 2026. إذ يُخشى أن يُقدم حزب الله على عرقلة بقاء سلام حتى ذلك الموعد، عبر تحريك حلفائه داخل الحكومة أو من خلال التصعيد الميداني. بل ثمة من لا يستبعد أن يُستخدم الانفجار الأمني كذريعة لتأجيل الاستحقاق النيابي، وإعادة طرح “شرعية السلاح” كضرورة وطنية في مرحلة انتقالية تُدار بلا مؤسسات.
ما يفعله الحزب هنا لا يهدد نواف سلام وحده، بل يضرب ما تبقى من هيبة الدولة. فمن غير المقبول أن تتحول إرادة رئيس حكومة حاصل على دعم نيابي وشعبي عريض إلى خصم يُستنزف يومياً لمجرد أنه لا يساير سردية السلاح المقدس. كما أن الإطاحة بمسار الانتخابات أو تعطيله، سيعيد لبنان إلى دوّامة الفراغ والانهيار التي أنهكت الدولة ومؤسساتها.
وفي المقابل، لا بد من كلمة صريحة ومباشرة موجّهة لحزب الله: إن احترام خيارات نواف سلام ليس فقط واجباً سياسياً، بل ضرورة أخلاقية. فكما احترم اللبنانيون خصوصية الحزب وخياراته على مدى عقود، وصبروا على استثنائيته الأمنية والعسكرية، فإن على الحزب أن يردّ التحية بمثلها، وأن يتعامل مع رئيس الحكومة كرمز لمرحلة انتقالية من الممكن أن تنقذ البلاد، لا كعدو يجب القضاء عليه.
نواف سلام اليوم هو الفرصة المتبقية للبنان كي ينهض بمؤسساته ويستعيد قراره. التصعيد ضده لن يرمّم ما انكسر من سطوة الحزب، بل سيعزله أكثر عن الناس والمؤسسات. والخيار الحقيقي ليس بين سلاح الدولة وسلاح الحزب، بل بين مشروع وطن يتسع للجميع، ومنظومة ممانعة تحكمه بالعنف والعناد.
لبنان يستحق أكثر. يستحق دولة.