بقلم الدكتور عمر الفاروق النخال – ليست مصادفة أن يترافق رفع العقوبات الأميركية عن سوريا مع تصاعد وتيرة الترويج الإيراني لما يمكن وصفه بـ”الفرز الانتقامي” في المنطقة، وكأن طهران لم تستوعب بعد أن النظام الإقليمي يتحرك في اتجاهات لا تشبهها. فبعد زيارة دونالد ترامب الثانية للمنطقة، وما أعقبها من إشارات أميركية صريحة إلى إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية ـ وفي مقدمتها التهدئة في اليمن، واحتمالات التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار في غزة ـ بدت إيران وكأنها تلعب الورقة الوحيدة التي لم تُحسن غيرها منذ أربعين عاماً: ورقة الاصطفاف والعداوة. لكنّ هذه الورقة، ورغم ما قد تتيحه من إثارة ظرفية، باتت عبئاً ثقيلاً في لحظة شرق أوسطية تعج بتحولات كبرى، لم تعد فيها الممانعة الشعاراتية تجذب انتباهاً، ولا العزلة الطهرانية تعني شيئاً سوى الفشل السياسي وانكشاف المشروع.
إن ما تروّج له إيران من رواية تقوم على تخوين المصالحات وتكفير التفاهمات، يشي بأن الخطاب الإيراني لم يطرأ عليه أي تطور فكري أو فلسفي، رغم مضي أكثر من عقدين على التحولات التي عصفت بالمنطقة. فالعالم من حولها يتغير؛ إسرائيل تتخبط داخلياً وتخسر الرأي العام الغربي، والعالم العربي يسعى بصعوبة لتثبيت حالة من الاستقرار ما بعد الكارثة السورية، والولايات المتحدة تنكفئ بخطة واضحة عن احتلال المشهد الأمني المباشر في الشرق الأوسط. في المقابل، تبدو طهران عالقة في مربعها الأول، ترفض الاعتراف بأي تحول موضوعي، وتردّ على مبادرات التهدئة بشن هجمات سياسية ذات طابع انتقامي، تستند إلى منطق فرز جهوي مذهبي لم يعد يجد سوقاً.
لا تقرأ إيران اليوم اللحظة الإقليمية من منطلق التغير بل من منطلق المؤامرة. فهي ترى في رفع العقوبات عن دمشق فعلاً عدائياً ضد نفوذها، وفي احتمالات إنهاء الحرب في غزة محاولة لسحب ورقتها الفلسطينية، وفي وقف إطلاق النار مع الحوثيين حصاراً سياسياً لحليفها اليمني. كل ذلك لا يُقابَل بأي جهد داخلي لإعادة التفكير بالوظيفة الإقليمية لإيران، بل يُستثمر لتعميق الانغلاق ورفع منسوب التوتر. هذه القراءة لا تكشف فقط فشلاً في فهم المتغيرات، بل تعبر أيضاً عن أزمة عميقة في الفكر السياسي الإيراني، الذي ما زال ينظر إلى نفسه كضحية تاريخية لا تتغير أدوارها بتغير السياقات، بل تزداد رسوخاً كلما تبدل المحيط.
وربما يعود هذا السلوك غير الواعي إلى طبيعة النظام نفسه الذي نشأ على إعلاء الخطاب لا على التكيّف الواقعي. فطهران، منذ تأسيس جمهوريتها، تعاملت مع المتغيرات من موقع القدرية الثورية لا من موقع البراغماتية السياسية، ما جعل كل لحظة مفصلية تمر بها تتحول إلى فرصة للمزيد من التشدد، لا إلى مناسبة للمراجعة. وقد كان يمكن لإيران أن ترى في ما يحدث فرصة لإعادة التموضع، لا سيما أن الإدارة الأميركية لم تُسقط خيار العودة إلى الاتفاق النووي، وأن هناك رغبة أوروبية ـ وإن كانت خافتة ـ في تطبيع العلاقات معها. لكن التعاطي الإيراني مع كل تلك الإشارات يتم من زاوية وحيدة: كيف نمنع سقوط خطاب الممانعة في الداخل، لا كيف نعيد بناء موقع إيران في الإقليم.
سيكون على طهران عاجلاً أو آجلاً أن تواجه حقيقتها الداخلية. فالجمهور الذي تربى على أن العدو هو كل من يفاوض، بات أمام لحظة سيتوجب فيها قبول فكرة أن التفاوض قد يكون الخلاص الوحيد. والمؤسسة العسكرية التي اعتادت توسيع نفوذها باسم قضايا عادلة، تجد نفسها الآن في موقع الدفاع عن وجودها لا عن أفكارها. والخطاب الرسمي الذي بنى شرعيته على مناهضة واشنطن، بات مطالباً بإقناع جمهوره بأن عودة العلاقات معها قد تكون ضرورة اقتصادية. هذه المواجهة بين الداخل والخارج، بين الصورة التي رسمتها إيران لنفسها والصورة التي يفرضها الواقع، ستشكل اللحظة الحاسمة التي إما تفتح الباب أمام طهران لعصر جديد، أو تدفعها إلى انتحار سياسي تدريجي.
وبقدر ما سيكون الاتفاق النووي مؤشراً على مسار المرحلة المقبلة، فإن الفشل في التوصل إليه سيزيد من ضيق هامش المناورة. إيران بلا اتفاق ستكون دولة أكثر عزلة، لا سيما في ظل ميل المنطقة إلى التفاهمات، لا إلى المواجهات. وستجد نفسها في موقع لا تحسد عليه إذا ما قررت الرد على الخسارات بالمزيد من التصعيد. إذ ليس من المستبعد أن تختار طهران مجدداً سياسة حافة الهاوية، عبر تأجيج جبهات متعددة، من لبنان إلى اليمن، بهدف تعطيل أي تسوية لا تكون جزءاً منها، حتى ولو أدى ذلك إلى حرب استنزاف طويلة. إلا أن هذه المرة، سيكون ثمن الهروب إلى الأمام أعلى، لأن العالم تغير، ولأن اللاعبين الآخرين تعلموا الدرس ولم يعودوا يقبلون بأن تكون الطاولة رهينة مزاج طهران.
في المحصلة، لا يكفي العالم العربي أن يراقب. ما هو مطلوب اليوم هو استراتيجية متكاملة لمناعة إقليمية ضد أي محاولة لزعزعة الاستقرار عبر بوابات الهروب الإيراني. ويعني ذلك تحصين الجبهة الداخلية في كل دولة عربية، وبناء شبكات مصالح اقتصادية وسياسية تعمق خيار التهدئة، وتمتص نوبات التصعيد التي قد تلجأ إليها إيران إذا شعرت أن كل أوراقها سقطت دفعة واحدة. فالمشكلة مع طهران ليست في صراعاتها الخارجية فقط، بل في بنيتها النفسية كدولة لم تتعلم بعد كيف تخسر بكرامة، ولا كيف تتكيف مع عالم لا يتسع لخطابات المظلومية المفتوحة إلى ما لا نهاية.
لقد تغير العالم فعلاً. لم تعد الصفقات تتم في الظلام، ولم تعد الولاءات كافية لحماية المشاريع المتآكلة. ولعل من المؤلم أن تكون إيران، بتاريخها وحضارتها، في موقع المتأخر عن قطار التغيير. لكن الأشد ألماً هو أن لا تعي ذلك، وتستمر في تسويق نفسها كضحية مؤامرة عالمية، بينما هي في الواقع أسيرة جمودها ورفضها الاعتراف بأن الزمن تجاوزها.