1. Home
  2. لبنان
  3. ألفباء حماية مسار التعافي!
ألفباء حماية مسار التعافي!

ألفباء حماية مسار التعافي!

0
0

حزين مشهد البيوت المهجورة في الريف اللبناني. نبت العشب على مداخل منازل القرميد. عائلات عديدة  قطع أفرادها بطاقة سفر “وان وي”، فيما ترتفع بين المتبقين أعداد نواطير البيوت من الكهول الذين يروون الحكايا عن أحفادٍ تعرفوا إليهم عبر الخليوي. والترجمة تراجعت نسبة الإقتراع في جبل لبنان 8% عن العام 2016، لتكشف حجم الهجرة القسرية التي تفاقمت منذ العام 2019 إثر إنكشاف الإنهيار المالي والإفلاس المبرمجين. والحصيلة إقفال مشاغل وحرف وغبار غطى مدارس رسمية أقفلت نتيجة تراجع أعداد التلامذة، وطال الإقفال مدارس خاصة بينها تلك التابعة لمؤسسات دينية.


خطورة المشهد في وقوعه بعد 35 سنة على نهاية الحرب الأهلية، ليفضح تغنّي قوى منظومة التسلط بالحرص على”السلم الأهلي”. ومعروف أن هذه القوى إستأثرت بالسلطة إثر صدور قانون “العفو عن جرائم الحرب” رقم 54 عام 1991، وتم تجديدها جزئياً بعد “إنتفاضة الإستقلال” عام 2005، وهي تعامت عن فقدان السيادة وتساكنت في الحكومات مع السلاح اللاشرعي. ولأن كل طرف قدّم مصالحه الخاصة جرى التركيز على الولاء لزعيم الطائفة، وقضت المصالح الضيقة بتغييب الدولة وتعزيز قبضة نظام محاصصة طائفي غنائمي صار من خلاله تحاصص المؤسسات العامة ومواردها فإنهارت الطبقة الوسطى!


في بداية تسعينات القرن الماضي إستكمل الإنقلاب على المرحلة الشهابية التي أسست لبناء دولة حديثة تحقق إنصهاراً وطنياً يعزل الإنقسامات الطائفية. إقتصاد الريع طوى الأسس التي أرستها بعثة “إيرفد” فتراجعت الزراعة وحوصرت الصناعة وإتسع الفقر وتعمقت الهوة الإجتماعية وتفاقمت المديونية، وهُمّشت الجامعة الوطنية والتعليم الرسمي. فرضت الهجرة الداخلية نفسها، وراحت بيروت تختنق بضواحيها، التي تمددت عشوائياً. فهي المكان الوحيد لتأمين لقمة العيش، ومن تمكّن غادر لبنان والأعداد كانت كبيرة.
فتحت “إنتفاضة الإستقلال” كوة ضوء لقيام دولة طبيعية، خصوصاً بعد إخراج جيش الإحتلال السوري. لكن القوى الطائفية الممسكة بالإنتفاضة خافت شعبها فغدرت بآمالهم وذهبت إلى “التحالف الرباعي” مع حزب الله. إنه تَحولٌ أسَّسَ لمنح الحزب الفيتو عبر “الثلث المعطل”، توّج بتسوية مشينة عام 2016 أتت بميشال عون رئيساً فتسارع الإنهيار الذي تسبب بإندلاع ثورة “17 تشرين” 2019. كانت الثورة الوحيدة التي قالت بتطبيق الدستور وإنهاء زمن “الإفلات من العقاب” وبدء المحاسبة لإستعادة الدولة المخطوفة بالسلاح والطائفية. فتعرضت لقمع من حزب الله باسمه ونيابة عن شركائه، لكن بقعة الضوء إتسعت في الإنتخابات العامة ولاحقاً في تكليف نواف سلام وقيام حكومة مختلفة نسبياً.
في خطاب القسم والبيان الوزاري برزت ثنائية السلاح والإصلاح. التأكيد على حصر السلاح، واجهه الحزب بالإنكار ومحاولة العودة إلى اللعبة القديمة: “إستراتيجية دفاعية” لإبقاء السلاح رغم المخاطر، لكن رئيس الجمهورية حسم الموقف بأنه لا يقتصر على جنوب الليطاني بل يمتد إلى كل لبنان. وإنطلقت ببطء عجلة الإصلاحات، وما تحمله من رهان على ممارسة تفتح المؤسسات أمام الشباب، وربما بدء هجرة عكسية من الخارج إلى الداخل، للمشاركة في إعادة بناء الدولة التي تحمي وتصون وتعيد الحقوق. ولأول مرة بتاريخ الجمهورية تُرفع بالقانون السرية المصرفية التي إستغلت للنهب وتبييض الأموال، ويصدر مشروع إستقلال السلطة القضائية الذي يحمي القاضي والأحكام. ورغم أن أمر إعادة الودائع ما زال ضبابياً فالإصلاح المصرفي يُواجه من أخطر لوبي سياسي بنكرجي متسلط!
رغم أهوال المنطقة وزلازلها وتمادي الإجرام الصهيوني وكذلك مواقف الإنكار ورعونة أوساط من حزب الله، فإن حماية مسار تعافي البلد الذي يفترض إصلاحات عميقة، وثيق الإرتباط ببلورة ميزان قوى آخر يعكس حضور قوى التغيير ورؤيتها، ما قد يجعل من الإنتخابات البرلمانية الآتية محطة إنتقال حقيقي لمنع العودة إلى الوراء!


tags: