بقلم الدكتور عمر الفاروق النخال – لم تعد المؤسسات الإعلامية في العصر الرقمي تدير استراتيجياتها وفق القواعد التقليدية التي رسخت مكانتها لعقود، بل باتت خاضعة لمنطق جديد تفرضه منصات التواصل الاجتماعي. هذا التحول لم يكن مجرد استجابة للتطور التكنولوجي، بل هو في كثير من الأحيان استسلام غير محسوب أمام إيقاع سريع يفرضه الجمهور الرقمي، ما أدى إلى تآكل جوهر الإعلام التقليدي، وخصوصًا التلفزيون والراديو، اللذين أصبحا مجرد أذرع تابعة لمنصات التواصل بدلاً من أن يكونا مصدرًا رئيسيًا في صناعة المحتوى وإدارته وفق خصوصيتهما المهنية.
لقد سمح انتشار وسائل التواصل الاجتماعي للمؤسسات الإعلامية بتوسيع نطاق وصولها، لكنه في المقابل أضعف قدرتها على فرض استراتيجياتها الخاصة. فبدلاً من أن تحتفظ المؤسسات الإعلامية بنهجها التحريري وتعمل على تقديم محتوى متميز يتماشى مع القيم الإعلامية الراسخة، نجدها تلهث خلف ما يحقق الانتشار السريع والتفاعل اللحظي. هذه الاستجابة السريعة لمتطلبات الجمهور الرقمي جعلت الإنتاج الإعلامي أكثر هشاشة، حيث طغت عليه النزعة الاستهلاكية الفورية بدلًا من أن يكون محتوى مؤثرًا يعزز الهوية الإعلامية للمؤسسات.

التلفزيون، كوسيلة إعلامية كبرى، كان المتضرر الأكبر من هذا الانسياق وراء نمط منصات التواصل. فقد تخلت كثير من القنوات عن الرصانة والعمق في إنتاجها البرامجي لصالح التفاعل السريع، حتى أصبحت البرامج التلفزيونية مصممة أصلًا لتناسب المشاهدات القصيرة التي تتماشى مع آليات المنصات الرقمية. هذا التحول أدى إلى إضعاف قيمة المحتوى، حيث باتت المواد التلفزيونية تُفصل على مقاسات مقاطع الفيديو القصيرة، لا على مقاييس الجودة التحريرية والابتكار السردي الذي ميز التلفزيون لعقود.
أما الراديو، الذي كان دائمًا وسيلة قادرة على التكيف، فقد وجد نفسه أيضًا في معركة خاسرة أمام هذه التغيرات. فالبرامج الحوارية التي كانت تستمد قوتها من النقاشات العميقة والاتصال المباشر مع الجمهور، تحولت إلى مقاطع صوتية سريعة تُنتج فقط من أجل إعادة نشرها على المنصات الرقمية. هذه الاستراتيجية حرمت الإذاعات من دورها التقليدي كوسيلة إعلامية مستقلة لها طابعها الخاص، مما جعلها تابعة لمنطق المحتوى المقتضب الذي يفرضه الجمهور الرقمي.
إن هذا الاستسلام غير المدروس له تبعات خطيرة، فهو يسرّع من انتهاء العمر الافتراضي لوسائل الإعلام التقليدية، خاصة التلفزيون، الذي يواجه بالفعل تراجعًا في نسب المشاهدة لصالح المحتوى الرقمي. وإذا استمرت المؤسسات الإعلامية في التخلي عن هويتها المهنية لصالح تكتيكات آنية تحقق الانتشار على المدى القصير، فإنها ستفقد مصداقيتها وقدرتها على المنافسة في المدى الطويل. فالجمهور الذي يستهلك محتوى سريعًا ومتغيرًا على منصات التواصل لن يكون لديه انتماء ثابت لعلامة إعلامية محددة، ما يعني أن المؤسسات الإعلامية التقليدية ستتحول تدريجيًا إلى مجرد مزودين للمحتوى الرقمي، دون هوية تحميهم من تقلبات السوق الإعلامي.
لا يمكن إنكار أهمية التكيف مع المتغيرات الرقمية، لكن الحل لا يكون بالتخلي عن القيم الإعلامية التي صنعت مكانة المؤسسات التقليدية. بدلاً من تبني عقلية التبعية لمنصات التواصل، يجب على المؤسسات الإعلامية أن تتبنى استراتيجيات توازن بين الحفاظ على هويتها الإعلامية والاستفادة من الأدوات الرقمية. من الضروري تطوير محتوى أصيل يتمتع بقيمة صحفية عالية، حتى عند توزيعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما يجب الاستثمار في الابتكار الإعلامي عبر إنشاء منصات رقمية مملوكة للمؤسسات الإعلامية نفسها، بدلاً من الاعتماد المطلق على منصات لا تخضع لسيطرتها التحريرية والإدارية.
كذلك، على القائمين على الإعلام العمل على إعادة تعريف العلاقة بين وسائل الإعلام التقليدية والجمهور الرقمي، بحيث لا يكون التفاعل السريع هو المحدد الأساسي لاستراتيجيات الإنتاج. إن تعزيز العلاقة مع الجمهور يجب أن يتم من خلال تقديم محتوى يُحدث فرقًا، وليس من خلال اللهاث وراء الترندات العابرة التي تفرضها خوارزميات لا تعترف بالقيمة الإعلامية طويلة الأمد.
إن المؤسسات الإعلامية أمام خيارين: إما أن تستمر في الانسياق غير المدروس وراء نمط التواصل الاجتماعي حتى تفقد خصوصيتها تمامًا، أو أن تبادر إلى إعادة ابتكار استراتيجياتها بحيث تدمج بين المهنية الإعلامية والتطور الرقمي بطريقة تضمن استدامتها. لا يزال هناك وقت للتصحيح، لكن التأخير في اتخاذ القرارات الجريئة قد يعني أن مستقبل الإعلام التقليدي لن يكون سوى مجرد ذكرى في تاريخ الصحافة والإعلام.