1. Home
  2. زوايا
  3. أمي … أحنّ إلى يدك ألثمها
أمي … أحنّ إلى يدك ألثمها

أمي … أحنّ إلى يدك ألثمها

0
0

تحنّ الروح يا أمي، وكلّ ما في النفس من خزينٍ … إلى مكانٍ بعيد
حيث هنالك كان يُثمر الياقوت، ويُزهر المرجان، وتشدو لبُزوغ شمسه براعمُ الأجفان، ويهفو بتيهٍ لطيب ذكراهُ العقيق.
 
 تحنّ الروح يا أمي، وكلّ ما في الأمس من رنينٍ إلى ذلك المكان
بأعمارٍ راضيةٍ هانية، وأسرارٍ خافيةٍ غافية
وأنهارٍ من رياض الوجدان جارية، تتوق بدفقٍ إلى سحْر مصبّها العتيق.
 
تحنّ الروح يا أمي إلى بيتٍ كنت يوماً فيه تسكنين
من جدائل شعره القشيب تضوّعت روائحُ نُسيْمات الفتنة والعويشقة وغاردينية العاشقين، ومن خلال حناياهُ الحالمة تفتّحت بواكيرُ أفنان الصّبا وأقاحينُ ألطاف السنين، ومن خصيب تُربته تشقّقت سنابلُ صبحٍ سقاها وصلُ الودّ ألفةً، وكساها زينةً وبريق.
 
أحنّ إلى بيتٍ كنتؚ يا أمي قرّة عين عهدؚه الجميل، ودُرّة تاج خيرؚه الجزيل
أحنّ فيه إلى عرائس أيّام … إلى عرائش أحلام … إلى تهامسؚ أنغام
إلى ظلّ ظليلٍ من سلام، تفيّأتْ به أغصانُ عمرٍ رقيق.
أحنّ إلى صُورٍ وحكاياتٍ … إلى عبراتٍ وضحكاتٍ … إلى نفيسٍ من ودائع الذكريات
إلى حُضنٍ غامر … إلى جفنٍ ساهر كان لي مهد أنسٍ ورفيق.
 
وأذكرك أمي كلما هطلتْ سحاباتُ الأحزان هيْمى في أديم العيون،
وكلما صدحتْ أهازيجُ الأفراح نشوى في نعيم الصّدور،
وكلما عزفتْ مزاميرُ الوهاد جذلى لحن أنغام الوُجود،
وكلما زحفتْ سُفوح الشّيْب ثقلى نحو مصبّها الحاني السّحيق.
 
في دُرْج خزانتي أمي … احتفظتُ بأغلى ما اتّسع به صدرُها، وأزكى ما تعطّر به جيدُها: بمنديلٍ ترطّب من حُنوّ قبضتك، وتزيّن بحرير رسمها، حوى حُفنةً من كبش قرنفلٍ أودعتِها لي يوماً من أيامٍ نورانيةٍ كأيّامنا القُدسيّة هذه …
وأراني أهْرع إليه أمي حين تذوب شموع الدّموع في جُفون القلوب، وحين تموج جُروح الهموم في بُحور الخُطوب، أتحسّسه لأتلمّس من مسام ثناياه ندى نفحات أمنٍ، ولأتنفّس شذى صفو عيشٍ طليق.
برحيلك أمي … رحل بعضٌ عزيزٌ مني … وكان هذا البعضُ هو الخيط الأرقى من نسيج الذات، والورد الأنقى من معين الحياة … فصِليني أمي بلفتةٍ تعيدُ لناظري وجه ماضٍ ثمين، وقرّبي مني يداً، فأنا أحنّ إلى يدك كي ألثمها … عروقها فيضُ رضا … دماؤها سيلُ بركات … لمسُها موجاتُ دفءٍ … ووابلٌ صيّبٌ من رحمات.
 


tags: