إلى متى يستمر الإنكار ميزة للسياسة التي يتبعها حزب الله؟ وإلى متى يظن الشيخ نعيم أن تفصيله لإتفاق وقف النار على مقاس تطلعات حزبه الضيقة يمكن أن تكون سارية المفعول؟ فيقول أن الإتفاق كان لوقف العدوان وليس المقاومة، وأنه مجرد إتفاقٍ تنفيذي للقرار الدولي 1701 وينحصر بجنوب الليطاني؟ علماً أنه ذكر أن حزبه إطلع على الإتفاق الذي حمله هوكشتين “الأميركي الإسرائيلي” وكانت لهم ملاحظات لكنهم وافقوا عليه؟ والسؤال إلى متى تتكتم بقايا السلطة عن كشف مضمون الإتفاق للبنانيين؟ وإلى متى تستمر هذه السياسة التي قد تهدد بعودة الحرب بعد إنتهاء وقف النار التجريبي في نهاية ال60 يوماً على الإتفاق المعلن يوم 27 تشرين الثاني الماضي؟
بأي حال بدا سماحته في غربة عن الواقع وإنكار للوقائع التي لا يمكن تغطيتها عندما قال أن حزبه إنتصر كيف؟ فقط لأن العدو لم يسحقه تماما؟ علماً أن قاسم إعترف بأن العدو قتل الأمين العام والكثير من قادة الحزب وأن العدو إخترق شبكة إتصالات الحزب وكانت ضربة “النداء القاتل”، وأنه تم قطع طرق الإمداد وهذا تفصيل وكشف أنهم يبحثون الآن عن طرق إمداد لإعادة بناء “مقاومة” عجزت عن تجسيد أي من شعاراتها، وفشلت في حماية زعيمها وقادتها، وسقطت بإمتحان “إسناد” غزة و”حماية” لبنان وتسببت بدمارٍ غير مسبوق بشراً وحجراً؟
في الخطاب الذي ورد فيه أنه من حق السوريين أن يختاروا نظامهم وقيادتهم، قفز الشيخ نعيم فوق دور حزبه في سوريا دعماً لنظام الإجرام بحق الشعب السوري وشعب لبنان أيضاً، عندما ذهب ليشن الحرب على ثورتهم ويتسبب بتشريد كثيرين منهم. الخطاب الذي تكررت فيه المواقف إياها من قضايا عديدة غاب عنه ولو وقفة، أو حتى إشارة، إلى الوجع الذي تسبب به للبنانيين، فهو الجهة المسؤولة عن عقاب جماعي أنزله العدو الإسرائيلي بالبلد وأهله.. وخبّر الناس أن إعادة الإعمار( وهو مسؤول عن كل الدمار المخيف) منوط بالدولة اللبنانية.
بعد أكثر من أسبوعين على سريان الإتفاق التجريبي لوقف النار، وبعد أكثر من 14 شهراً على أخذ حزب الله البلد عنوة إلى حربٍ مدمرة، ورفضه الإستماع إلى الإستغاثات الواسعة لتجنيب البلد ما كان، ما زال حزب الله رافضاً لإجراء مراجعة حقيقية لأدائه السياسي والعسكري. إنه أمر يحمل مخاطر على المستقبل وقد يترك الكثير من السلبيات، خصوصاً وأن عدم الإعتراف بالمضمون الحقيقي للإتفاق الذي ينهي دور السلاح في كل لبنان وتستعيد معه الشرعية بسط السيادة على الحدود إلى كنفها، أن البلد أمام محاولات لإعادة عقارب الساعة إلى زمن ما قبل 8 تشرين أول 2023، ومثل هذا المنحى يرتب مسؤوليات كبيرة على بقايا السلطة لا تستطيع معها المضي بالتجاهل ودفن الرأس بالرمال؟
وبعد، سوريا بدها حرية، شعار أثير لثوار سوريا من اللحظة الأولى لبدء مسيرة الجلجلة السورية لإطاحة نظام الإبادة الجماعية الذي جثم على صدور السوريين 54 سنة. اليوم دخلت سوريا مرحلة جديدة بكل المعايير، وربما يكون أهم من سقوط نظام الإجرام هو مرحلة ما بعده وكيفية إدارتها في بلدٍ قد تكون قوته في التنوع القائم وضرورة الحفاظ عليه، بعدما أمعن حكم آل الأسد على الإصرار بالغاء التنوع عبر القمع المنفلت. حلم السوريين اليوم، كما الجوار، بسيادة القانون وسيادة العدل، والناس تعرف أن لا بديل عن مساءلة قضائية حقيقية وأمل بنهوضٍ قضائي، ما يعزز دور الفرد في المساءلة، إذ لاينبغي التسامح مع الجلاد والحذر من دعوات النسيان لأنها تفتح باب التكرار. والتكرار سيحمل المزيد من سفك الدماء، وجلي أن التغيير بدون العدل سيعني العودة السريعة إلى زمن الإستبداد وفتح أبواب سوريا على مجهول خطير!
في السياق تطرق أحمد الشرع زعيم هيئة تحرير الشام إلى الوضع في لبنان، ليعلن عن تأييد إنتخاب قائد الجيش جوزيف عون رئيساً للجمهورية، مضيفاً أن الأمر يعود إلى اللبنانيين، وأن لا تدخل بعد اليوم لسوريا في شؤون لبنان كما حصل سابقاً.
وعلى مسافة 25 يوماً من موعد جلسة 9 كانون الثاني، يتقدم عقم الطبقة السياسية في قراءة التحول الإستراتيجي الكبير في المنطقة، وتسعى منظومة النهب والإفقار والإرتهان إلى حجز رياح التغيير لأن المبادرة لتاريخه بين أيديها. وضع يستدعي تسريع بلورة الموقف المعبر عن أكثرية من اللبنانيين التي قالت في ثورة 17 تشرين أنها عازمة على إسترجاع أصواتها. فمن أفسد ونهب وغطى الإرتهان والتدمير ليس مؤهلاً لمرحلة إستعادة الدولة وإنقاذ اللبنانيين، وما زالت منظومة الفساد على سياسة تقديم مصالحها الضيقة وإستقتالها لتعويم نظام المحاصصة وإعادة تكوين السلطة على مقاس مصالحها.
بهذا الاطار أمل ترتدي مبادرة إطلاق “النداء الوطني” ظهر يوم الجمعة القادم من نقابة الصحافة أهمية خاصة لما يمكن أن تحمله من منحى تأكيد للثوابت الوطنية وخارطة إنقاذ حقيقية للبلد.
وبعد البعد، في زمن سقوط الطغيان وسقوط القمع، فإن أزلام مرحلة نظام “صيدنايا” لن يتمكنوا من الإستفراد بمستقبل لبنان والآتي قريب…ثورة تشرين رسمت المسار البديل!