لساعات كانت الأنباء يوم أمس متضاربة بشأن مصير رأس النظام السوري الساقط، حتى أعلنت موسكو منح حق “اللجوء الإنساني” للطاغية وعائلته. لكن إعلان تحرير دمشق ومشاهد إستعادة سوريا للسوريين كان قد فجر الفرح في بلدين ؛ سوريا أولاً ولبنان ثانياً.
عمت البهجة كل مكان في المدن السورية كما في المنافي في الدول المضيفة لللاجئين، وكم كان لافتاً مشهد تجمع الوف السوريين من كل الأعمار على نقطة حدود المصنع عائدين وبينهم أعداد كبيرة لم تعد إلى سوريا منذ العام 2011. مرحلة جديدة إنطلقت، مهمة بما حملته من عناوين: بدء تحطيم تماثيل المجرم المؤسس والوريث الفار من العدالة، وفي المقابل فتح أقبية سجون الإجرام البعثي الأسدي وأولها سجن صيدنايا الرهيب حيث إستمرت محاولات فتح أقبيته حتى الليل.. وكم كانت مؤلمة، موجعة، رؤية ملامح المفرج عنهم من شحوب وهزال وخيال أجساد تروي حكايات وتختزل معاناة. وكم هو مدمر قول إمرأة محررة لها من العمر32 سنة أنها إعتقلت في سن ال14 ولديها الآن أولاد لا تعرف أبناء من؟
حكايات كثيرة تروى عن الإنهيار العظيم. الأكيد حدثت تفاهمات إقليمية دولية لا بد أن يكشف بعضها. وزير خارجية إيران تحدث عن شكوى الأسد من جيشه، وفهم الأسد كل شيء عندما أبلغه لاريجاني( زار دمشق سراً) الإستعداد لقبول لجوئه إلى إيران. لكن المؤكد أنه من لحظة تحرير حلب قرأ المقيم في قصر المهاجرين عنوان المكتوب. إنه الطوفان الحقيقي، إنه الزلزال. لا قضية يحارب من أجلها جيش جائع لا معنويات لديه يشاهد إبتهاج الناس بتراجعه وإنكساره. والعجز الإيراني معلن، وحرب المساندة بقرار إيراني دمرت قدرات حزب الله. فيما روسيا في المستنقع الأوكراني لها حساباتٍ مختلفة وغير راغبة بتكرار ذلك الزمن الذي لم ينتج مفاعيل تحميه فإستمر الأسد في غيّ الحل الأمني!
ويبدأ الحديث عن المرحلة الإنتقالية، وكيف ستكون إنطلاقة “اليوم التالي” في سوريا المحررة، مع ملاحظة التبرؤ الكثيف من جانب رموز زمن النظام المخلوع من آثام نظام الإستبداد، ما يشي بأن الرهان كبير بأن تشهد المرحلة الآتية عدالة في المحاسبة. إن تمت، فهي ستنقل سوريا سريعاً إلى مكانة مميزة رغم الدمار والخراب، دمار البشر وخراب العمران، الذي يتحمل المسؤولية عنهما النظام الساقط، بحيث لا بديل عن ملاحقة رأسه وكبار مساعديه أمام القضاء الدولي، ولا بد أن يدفع بشار الأسد ثمن إجرام يفوق الخيال! وما هو أكيد أن سوريا جديدة على عتبة الولادة والوضع مفتوح على شتى الإحتمالات، لكن هناك ثقة يعبر عنها كثر من العارفين تقول أن لا سيناريو يفضي إلى السؤ الذي كان، وكل ما نشهده يوحي بزمن آخر له صعوباته وعقباته.
غير أن بين الأهم، أن تحرر سوريا وعودتها للسوريين، كسر الهلال الفارسي، وأصاب بالذهول والمرارة المرشد والملالي وكل حاشية الإستبداد المتسلطين على الشعب الإيراني. ولو كان اليوم السيد حسن نصرالله على قيد الحياة، لكان تأكد أن محور الممانعة في لحظة الإستحقاق الحقيقي “أوهى من بيت العنكبوت”. إن قطع هذا الهلال في سوريا، بعد تدمير العدو الإسرائيلي للضلع الفلسطيني في المشروع الإيراني، ودماره للبنان مع تدمير قدرات حزب الله البشرية والتسليحية، وموافقة الحزب المسبقة على آلية تنفيذ القرار الدولي 1701 التي تنطلق من نزع كل سلاح لا شرعي تطبيقاً للطائف والدستور.. كل ذلك سيعني إنعكاساً سلبياً على نظام الملالي، المنشغل بملاقاة مرحلة ترمب الثاني.. والأيام القريبة ستطهر بقية المشهد. هل ستضع دائرة العد العكسي نهاية قريبة لأحد أخطر الأنظمة الثيوقراطية في العالم أم أن المدخل إلى ذلك سيكون إستعادة العراق للعراقيين؟
إنه زمن التغيير الكبير. سيخرج لبنان من مرحلة المأساة الكبيرة، التي بدأت مع إحتلال جيش النظام السوري وتكرست مكافأة لحافظ الأسد على مشاركته الرمزية في حرب الخليج الأولى. وإستمرت بعد “إنتفاضة الإستقلال” مع تسلط حزب الله، عندما تشاركوا في تعطيل الدستور وأقاموا الدولة المزرعة وتعايشوا حكومات “وحدة وطنية” في سرير واحد مع الدويلة. صحيح أن الأسد في لحظة الهروب من دمشق لم يأخذ أتباعه، من رموز فساد وإرتهان تسلطوا على اللبنانيين، لكن الحساب آتٍ ولن يفلتوا. سيسقط نظام “الحصانات” كما “قانون الإفلات من العقاب”.. سيفرض اللبنانيون إنتخابات مسبقة تعيد تكوين سلطة منبثقة من شرعية شعبية حقيقية.
وعندما تطوي دمشق خريفها الطويل وتستقبل ربيعها، قبل أوان الربيع، فالأكيد أن هذا الربيع سيزهر في بيروت. تحية إلى روح سمير قصير.