Home زوايا راهبة الحبر.. في رباعية الغياب
راهبة الحبر.. في رباعية الغياب

راهبة الحبر.. في رباعية الغياب

17
0

لم يسبق لأي كاتب لبناني أن لامس بفكره مزاج فئات عمرية متعددة كما فعلت الإعلامية والأديبة والروائية الراحلة مي منسّى.

هذا التميز للراحلة الكبيرة أكد عليه خبر وفاتها الذي ما إن بدأت وسائل الإعلام بتناول عناوينه حتى رأينا كمًا هائلاً من التعليقات والتغريدات والمقالات المحزونة الصادرة بحق عن نفَس أدبي ووجداني ذوّاق وعلى دراية أكثر من ممتازة بأعمال منسى وبسحر رواياتها التي رسمت انطباعات حياتية نعايشها في يومياتنا لكننا لا نعترف بها في لحظة مدوية الا على صفحات مؤلفاتها وسطور مقالاتها التي تميّزت بحدس الكلمة وحواس المتن وروعة الختام.

في المقال تنقّلت منسى من صورة الى أخرى عبر حالة وصفية تكاد لو نطقت أن تكون دليلا جماليا يأخذ بيدك الى الحدث خطوة بخطوة ويعرفك إليه تفصيلاً تفصيلاً دون إغفال الألق السردي الأمين الذي يمكّنك للحظة من سماع الخلفيات الصوتية حتّى المرافقة لأي حدث حظي بأن تتناوله منسّى كتابةً.

وبالانتقال إلى الرواية التي توجتها راهبة للحبر، فسكبت منسى من ذاتها الكثير لتأتي الروايات قصورا فريدة لا تشبه في بينيتها أو أساستها أي لون أدبي آخر. قصور ندخلها ونكتشفها بمسؤولية ورجفة قلب دون الحاجة للبحث عن الباب الرئيسي أو حتى ابواب المرافق الأساسية فنعايش حقا مخاض الفكرة ومن ثم سيل مشاويرها وصولا الى ارتماء الختام إما في لحظة صمت متعّظ وإما في مركب آفاق رحب يروّض خيالنا ويأخذه الى البعيد الممتع.

أما المزيج الأروع بين المجالين، فجاء من المقابلات التلفزيونية التي أجريت معها والتي ظهرت فيها منسى بستانا حلوا انتقينا منه جملا وعبارات لم نستحِ بتدوينها كتلامذة في حصة الإملاء لما تضفيه كل منها من إغناء وزينة في كتاباتنا أيا كان المجال الذي نتناوله أو نكتب عنه وأذكر في هذا المجال عبارة “الموت بذهول” ليلة أطلت خلال عدوان تموز 2006 تتحدث عن أطفال مجزرة قانا الثانية وتصف ذلك العدو الوحش بصفات فجّرت في القلوب ألف نبع أدبي صارخ في مواجهة العدوان وألف ساقية تبكي أحوال وطننا ليلة وقوع تلك المجزرة.

حتى أيامها الأخيرة، تمسّكت مي منسّى بحبرها مُغدقةً على رقتها الإنسانية مشاوير أمتعتها في زحمة الألم لكنها حمّلتنا نحن عشاق الكلمة ومتذوقي الرواية ونهَمَة المقال مسؤولية السفر إلى الأفق المتألق الذي أوصت به في كل روائعها.