تتّسم أجواء بيروت السياسية هذه الأيام بنفحة نشطة إلى حد ما تحمل في تفاصيلها إرادات ونيات ومحاولات للعمل نحو تغيير ما أو رفع لرواسب الفشل السياسي وأثقال التداعي الاقتصادي والمجتمعي والنفسي للناس على مسافة أيام فقط من انتهاء السنين الست العجاف لعهد الرئيس ميشال عون.
طاقة انتظار تاريخ الحادي والثلاثين من تشرين الأول/أوكتوبر، اليوم الذي سيخرج فيه عون من قصر بعبدا على وقع احتفالات الخلاص الوطني من أسوء العهود الرئاسية اللبنانية المعاصرة تدل على ذلك وإن كان الأفق يبقى غير واضح بالحدود الكافية على مستوى الآلية التي ستسكلها الدولة اللبنانية مع الرئيس المقبل والتشكيلة الحكومية المرافقة لانطلاقته.
نيّة العمل موجودة، وهذا تحديدا ما يعطي لخريف بيروت هذه المرّة بعدًا تفاعليا أكثر منه دراميا لا سيما وأن كلمة الخريف اعتاد تداولنا إلصاقها باسم عاصمتنا تعبيرا عن كل أصناف المآسي، وزاوية التفاعل هذه خدمها الحظ هذه المرة بشكل لافت فاستطاعت بيروت مراكمة الرسائل العاجلة والملحة إلى كل من يهمه الأمر.
الرسالة الأبرز والأكبر والأهم أن خريف بيروت اليوم هو للحسم على كل المستويات، ففي السياسية استحقاقات من الواجب إتمامها لنستطيع اقلّه الوقوف أمام المجتمع الدولي نطالب بمساعدتنا، وما بين السياسة والاقتصاد إصلاحات لا يمكن إطلاق العمل لانجازها إلاّ بهبّة من الداخل والخارج سعيا إلى إنقاذ حقيقي ستنعكس نتائجه على كل المنطقة.
تقدّم بيروت للعرب هذه الأيام جردة صامتة من النتائج التدميرية التي تسبب بها التفرّج على اللاعب الايراني يسرح ويمرح في الملعب اللبناني حارقا حتى العُشب، فكيف السياسة والمال والاقتصاد والمجتمع؟؟
نتائج كارثية، لأن الاستقواء لم يسمح حتى بتدوينها أو توثيقها فكان الحريق العام الذي كاد يقضي حتى على الأمل بشكل لبنان ما بعد هذا العهد السياسي الاسود الذي يرسل هذه الايام رسالة استغاثة مفادها أن روح لبنان لا يمكن إلا أن تكون عربية.
وما الرغبة التي تظهرها المملكة العربية السعودية هذه الأيام بلقاء الفرقاء اللبنانيين إلا مشهدا يؤخذ بعين الارتياح أقلّه لجهة أن أبرز الأطراف العربية باتت على يقين بفداحة خسارة الخارطة العربية للبنان ومراوحته في الوحل الايراني الذي ترك ندوبا لا تنسى على وجه الوطن وقد لا يوفر كل العالم العربي من تلك الندوب اذا ما لم تكن الوقفة العربية واحدة وموحّدة وجامعة لكل المنادين بحرية لبنان وسيادته.
الخريف في بيروت منعطف هام، لا يجب سلوكه إلا مع العرب للوصول إلى ربيع لبناني حقيقي يبلسم جراحات الشعب الذي تليق به الحياة والحرية والقرار الحر.