في بلدان عديدة حول العالم، قالت حكوماتها أنها ستفتح تحقيقات فورية مع الجهات التي وردت أسماءها في “وثائق باندورا”. وفعلاً بدأت التحقيقات في الهند وباكستان وتشيكيا وغيرها..ومع أن كل الجهات العالمية والجهات المالية، وبالأخص الجهات المعنية بملاحقة غسل الأموال والتهرب الضريبي، لاحظت تعاظم “الأوف شور” اللبناني في لحظة الإنهيار الهائل الذي يعيشه لبنان بعدما تم نهبه وجرى إفقار أهله!
ولا شك أن هذه الجهات العالمية، ولاسيما في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكلاهما على علاقة وثيقة مع أي جهد حقيقي لبناني إذا كانت هناك نية لانتشال البلد مما هو فيه، تنبهت إلى ظهور أسماء السياسيين والمصرفيين في الجنات الضريبية، من نجيب ميقاتي وحسان دياب مروراً ب أمل لأبوزيد، أحد ممولي باسيل ومستشار عون، إلى رياض سلامة وبينهما العشرات مثل مروان خير الدين الذي تكشفت كذلك صلة طالت يحي مولود المرشح عن أحد المقاعد في طرابلس والوسيط في أعمال تحسين خياط الذي برز إسمه كذلك، لكن يبقى الأمر اللافت كان ربط أسماء رجال أعمال لبنانيين بحزب الله، مثل صالح عاصي الذي فرضت عليه الخزانة الأميركية العقوبات لتمويله حزب الله، وكشفت الخزانة الأميركية أنه يعمل أو شريك أدهم طباجة أحد ممولي حزب الله والذي وضعت واشنطن مكافأة ضخمة لمن يدلي بمعلومات عنه!
كل ذلك، ومع نحو 360 ملفاً تم الكشف عنها، لم يدفع الأمر الحكومة اللبنانية لأن تقول كلمة واحدة بشأن هذا الإنغماس اللبناني في تهريب الأموال والتهرب الضريبي وفي غسل الأموال وما يرتبط بها من جرائم مالية! عفواً كان دياب الفار من العدالة وهو رجل ال97% إنجازات قد ههد بمقاضاة من يتناول إسمه وسمعته(..) أما صاحب الدولة الميقاتي فقد أصدر بياناً إدعى فيه أن “ثروة عائلته تأتي من شركة إتصالات خضعت لتدقيق مالي في الماضي عندما أدرجت في بورصة لندن في العام 2005 وبعد إندماج مع شركة جنوب أفريقية، وهي قانونية وشرعية ومدققة، وسبقت إنخراط ميقاتي في الشأن العام”!!
كلام لغو بلغو لا يقنع اللبنانيين فيما أن الخارج يعرف الكثير، فالرجل يواجه دعاوى إثراء غير مشروع أمام القضاء اللبناني، والنزاهة والمسؤولية كانت تتطلب طلب تحقيقات شفافة، لأن البراءة لا تتحصل عبر بيان باسم دولته بل عبر القضاء، وهذا الأمر هو الشيء البديهي في البلدان التي يسودها حكم القانون، ومثل هذا الأمر كان أكثر من ضرورة، لأن ما يلفت الانتباه جيداً أن هذه المجموعة من الأسماء هي بالذات من سيتفاوض مع صندوق النقد الدولي بشأن خطة التعافي المالي والإصلاح المالي والإقتصادي، فابشروا أيها الناس بنتائج مذهلة!
2-يتولى القاضي طارق بيطار التحقيق في أخطر وأكبر جريمة ضربت لبنان، جريمة ضد الإنسانية هزت العالم لكن حكام لبنان تسمروا على مقاعدهم وتوافقوا على طي الصفحة ومصادرة الحقيقة والعدالة وفقاً لمشيئة حامل الأختام: حزب الله الذي طالب بطي التحقيق واعتماد التحقيق الأولي والذهاب إلى دفع تعويضات للمتضررين! كان المنتظر وقد أحالت السلطات الجريمة على المجلس العدلي أن توفر الدعم وأقصى الحماية لشخص قاضي التحقيق كي ينجز المهمة الملقاة على كاهله والتي ينؤ البلد تحتها! لكن كل السلطة ذهبت إلى التغول على صلاحيات القاضي ودوره، تم إنشاء الغرف السوداء لفبركة الدعاوى ضد التحقيق وضد المحقق، والبعض من كبار المسؤولين اتخذوا صفة المرجع القضائي للقاضي “ينصحون” ماذا يفعل وماذا لايجب أن يفعل وكان آخرهم ميقاتي رجل “وثائق باندورا” يفتي في القضاء ولا يقبل أن يبقى بري رجل الفتوى الرئيسي! فذهب بالأمس لإطلاق فتوى أن رئيس الوزراء والوزراء تتم محاكمتهم أمام المجلس الأعلى..لم يتأخر النجيب في إملاء الدروس القانونية على القاضي طارق البيطار لكنه تعامى كما الآخرين عن حملات التهديد السافرة ضد القاضي وحتى تلك التي هددت ب”قبعه”!
يقول الدستور بفصل السلطات، فلقاضي صاحب الصلاحية في التفسير وفي بلد يسوده القانون كان من غير الممكن الإكتفاء بأن يعتذر السياسي عندما يتخل، لكننا في لبنان ونجيب ميقاتي الذي قال بالأمس سنعطي تعويضات للمتضررين، وفاته أنهم يريدون العدالة والحقيقة أولاً والتعويضات ليست منة منه أوسواه، لم يتخذ كل هذه المواقف للدفاع عن دياب وفنيانوس ومشنوق وزعيتر وخليل، بعدما راجت معطيات عن أنهم لن يمتثلوا أمام قاضي التحقيق الذي أبلغهم “لصقا” مواعيد جلسات التحقيق معهم، بل – كما يقول القانوني نزار صاغية- إنه”يمتطي قضية تفجير المرفأ لتحصين نفسه في قضية الإثراء غير المشروع”.. وأضيف أيضاً ما لا يجب أن ننساه، وهو أن شحنة الموت دخلت إلى المرفأ زمن حكومة “القمصان السود” التي جيءَ بميقاتي لترؤوسها وللقضية أكثر من معنى!
ويتابع البيطار ماراتون التحقيقات وما يتم تداوله أن لديه السيناريو الكامل بدءاً ممن هم أصحاب شحنة الموت إلى بقية التفاصيل والمنطق يقول أن القرار الإتهامي المنتظر سيؤرخ لبداية مرحلة في تاريخ البلد. وهنا أفتح مزدوجين كي أوضح أن المادة 147 ليست ملغاة وأن الفصل الرابع من علاقات قوى الأمن الداخلي مع السلطات العدلية تفرض على الدرك الإبلاغ خاصة عند وجود نقص المباشرين كما هو الوضع اليوم، وكل هذه المواد صدرت في قانون العام 1990 وقد ألغيت بالمادة 428 أصول جزائية الصادر في العام 2001، وقد اقتضى التوضيح.
3- بعيداً عن الإحتفاء بصهاريج المازوت التي لن تحل أي أزمة، ولن تعالج إحتياجات حقيقية فقصة البلد أنه تعرض للنهب والحصار المضروب من حزب الله وفريقه عزل البلد وخنقه، فهذه الصهاريج تمنح حزب الله حصة من كعكة المحروقات، لكن اليوم ما يريده الناس معرفة حقيقة رواية الموساد؟ وماذا فعلوا في النبي شيت بعد الجنوب؟ وهل دنسوا المقابر ليأخذوا”دي آن آي” وهم يبحثون عن بقايا جثة الضابط الإسرائيلي رون أراد الذي أسقطت طائرته فوق لبنان في العام 1986؟ وهل صحيح أنهم لم يعثروا على شيء في الجنوب السوري وأنهم حققوا مع مستشار إيراني متقاعد وكان برتية عميد في القوات الإيرانية؟ الناس تسأل وحقها أن تعلم والنبي شيت تعد من “قواعد” حزب الله. ننتظر الأجوبة فهل سيتطرق لها اللهيان الزائر غير المرغوب به من أكثرية اللبنانيين!
4- وبعد، كل الدعم للنوادي العلمانية التي تخوض الانتخابات الطلابية في الجامعات. قبل سنة قالت النتائج التي تحققت أن الهواء النظيف الذي حملته ثورة تشرين لن يتوقف. وفي الذكرى الثانية للثورة كل الدعم للبراعم الواعدة في الجامعات، مع ضرورة التنبه جيداً إلى محاولات الأحزاب الطائفية التلطي وراء ترشيح أسماء يزعمون أنها مستقلة. طلاب لبنان يريدون إعادة تأكيد فوز العام الماضي، لما سيكون له من دلالات على المزاج الحقيقي للبنانيين، ولما سيتركه ذلك من تأثيرات عميقة في البلاد. كل الدعم لشبكة مدى والنوادي العلمانية والمرشحين المستقلين العلمانيين والتقدميين وهم من تنكبوا رفع راية التغيير وجعل الجسم الطلابي رافعة أساسية في مسار “17 تشرين”!