1. Home
  2. العالم
  3. أجراس التطرف في أميركا
أجراس التطرف في أميركا

أجراس التطرف في أميركا

43
0

محمد السماك – ماذا يجري في الولايات المتحدة ؟ ليس السؤال جديداً. طُرح هذا السؤال في عام 1995 عندما قام مواطن أبيض يدعى تيموثي ماك فاي بتفجير مبنى حكومي في مدنية أوكلاهوما أدى الى مقتل 168 شخصاً. لم تكن تلك الجريمة منعزلة. كانت رداً انتقامياً –كما كشفت التحقيقيات الأميركية الرسمية – على قيام السلطات الحكومية بعمليتي اقتحام مسلح لمركزين من مراكز العنصريين البيض في كل من مدينة واكو ومدينة ايداهو في ولاية تكساس.


اثر ذلك شمّرت السلطات الاميركية عن ساعديْها استعداداً لمواجهة تداعيات الصعود الارهابي للعنصريين البيض ؟ غير انه وقع ما لم يكن في الحسبان. ففي عام 2001 وقعت الجريمة التدميرية التي استهدفت مبنييْ التجارة العالمية في نيويورك. كان على رأس الدولة الأميركية في ذلك الوقت، جورج بوش الابن. وهو من تكساس. يومها أعلن أولاً الحرب على الارهاب، وأعلن ثانياً ان الاسلام هو الارهاب.
وهكذا نقل اهتمام قوى مكافحة الارهاب في الداخل الأميركي من تجمعات ومعسكرات العنصريين البيض، الى المساجد والمصليات في مدن الولايات المتحدة.
بلغ عدد عناصر هذه القوى2000 رجل تولى 330 عنصراً منهم مراقبة العنصريين البيض في كل مدن الولايات المتحدة. وتفرّغ الباقون (1670عنصراً) لمراقبة المساجد. وكانت النتيجة انه لم يُعتقل اي ارهابي. ولكن تعرض عدد من المساجد الى الاعتداء ودُمّر بعضها. وقُتل بعض المصلين. وكان العنصريون البيض وراء تلك العمليات، ولكن لم يحاكم أحد منهم، لأن الفاعل ظلّ مجهولاً.
تراجعت هذه الموجة العنصرية في عهد الرئيس باراك أوباما. ولكنها تفجّرت من جديد بعد انتهاء ولايته، ثم وجدت في سياسة الرئيس دونالد ترامب متنفساً معنوياً لها. لقد كان انتخاب رئيس أسود بمثابة تأجيج لغضب العنصريين البيض الذين سارعوا الى تفجير هذا الغضب المكبوت مع وصول الرئيس ترامب الى البيض الابيض.
لم تكن السلطات الأميركية غافلة عما يحدث. فقد جرت دراسات استقصائية وأعدّت تقارير حول هذا الموضوع. منها تقرير أعده مركز «ميسوري للمعلومات» جرى تسريبه في عام 2009 وفيه يقول :«ان عناصر ميلشياوية تابعة «لحركة التسلح الحديث» ترتبط بجماعات أصولية مسيحية وبجماعات معارضة للإجهاض، وأخرى معارضة للهجرة تتجمع في تنظيم مسلح واحد، مما يعني انها بصدد القيام بأعمال ارهابية «.
وأعدّت المخابرات السرية في الولايات المتحدة تقريراً آخر يقول ان اليمين المتطرف في صعود. وان المتطرفين الاعضاء في الحركات اليمين المتشددة يستغلون الصعوبات الاقتصادية، كما يستغلون وصول أوباما الى السلطة لاستقطاب المزيد من العناصر الناقمة، وكان عنوان التقرير «الحركة الميليشياوية الحديثة». ولكن تجاهل التحذيرات التي تضمنتها هذه التقارير أدى الى وقوع سلسلة الأعمال الارهابية التي هزت الأمن الداخلي الأميركي وأدت الى مقتل العشرات مؤخراً في حادثين منفصلين وقعا في مدينتي دايتون وال-باسو، والمدينتان تقعان في ولاية واحدة، هي تكساس !.
من السذاجة الاعتقاد بان الرئيس ترامب يحرّض على الكراهية العنصرية، وبالتالي فانه مسؤول عن جرائم القتل الجماعي التي وقعت. فالوقائع تثبت ان العنصرية موجودة قبل ترامب. وقد استقوت باعتلاء رئيس أسود (أوباما) البيت الأبيض، اكثر مما استقوت بوصول الرئيس الأبيض (ترامب). وقد سبق ان حذر عالِم الاجتماع الأميركي هانتغنتون قبل وفاته منذ أكثر من عشر سنوات، من احتمال انفجار صراع عنصري في الولايات المتحدة بين البيض الانجيليين والسمر الكاثوليك (المتحدرين من اصول أميركا الجنوبية).
وما يحدث الآن في الولايات المتحدة يشير الى خطورة هذا الانفجار.
تقول الدراسات الاحصائية الاميركية ان عدد الهجمات الارهابية التي شنّها العنصريون البيض تزيد ثلاثة أضعاف عن تلك التي اتُهم بارتكابها متطروفن اسلاميون منذ 11 سبتمبر 2001.
وتقول هذه الدراسات أيضاً انه من عام 2009 حتى عام 2018 تسبب العنصريون البيض في مقتل 73 بالمائة من الضحايا ؟
وفي العام (2018) وحده قُتل على يدهم 49 شخصاً. وهو أعلى رقم للضحايا منذ جريمة أوكلاهوما في عام 1995. مع ذلك فان 20 بالمائة فقط من عناصر مكافحة الارهاب في الولايات المتحدة مكلفون بمراقبة نشاط الحركات العنصرية من الأميركيين البيض.
تقول دراسة علمية حول جرائم القتل الارهابية، ان المجرم هنا لا يقتل من أجل القتل، ولكنه يقتل من أجل التأثير. التأثير العقائدي أو السياسي. هكذا حاول الارهابيون في الشرق وفشلوا. وهكذا يحاولون في الغرب، فهل يفشلون ؟.

المصدر: «اللواء»